عبدالحفيظ النهاري -
إعادة إنتاج أدوار ديوان الشيخ لا يليق بالأحزاب السياسية ولا بدورها ولا بتاريخها
الحوار واحدة من لوازم العمل الديمقراطي لا ينفك عنه، وهو أداة سياسية ديمقراطية طبيعية في الأوضاع العادية والاستثنائية على حد سواء.ولسنا هنا بصدد وضعه مقابل العنف ،ذلك أننا نتحدث عنه في إطار العملية الديمقراطية وليس خارجها.
ففي إطار النقاش العام الذي يحدث في فضاء الديمقراطية الكبير تصبح من وظائف الحوار مواجهة المشكلات أو ترتيب الأجندة والأولويات الوطنية أو وضع برنامج استثنائي أو وضع إصلاحات سياسية ذات أهمية تطويرية وتغييرية يستلزمها النهوض بالبناء الديمقراطي والتنموي.
وفي حالتنا الوطنية يصبح الحوار أكثر أهمية ليس فقط من أجل ترتيب الأجندة الوطنية في إطار الوضع الدستوري والقانوني وإنما أيضا لمواجهة المشاريع المتربصة بالديمقراطية وبالثوابت الوطنية كالجمهورية والوحدة والمتربصة بالدولة المؤسسية الحديثة.
وفي هذا السياق يصبح الحوار ذا أبعاد مدنية تتسق ونضالات العمل الحزبي والسياسي والأيديولوجي الذي تراكم لعقود حاملاً مشاريع تقدمية تحديثية، لا أن يصبح مجرد الحفاظ على المواقع والمصالح للقوى التقليدية داخل المجتمع.وهذا يستلزم من الأحزاب ألا تتعاطى مع الحوار من باب المصلحة المادية العاجلة بل من باب القيمة الديمقراطية والتحديثية في أطروحاتها.
أما أن تدور الأحزاب في فلك القوى والمحاور التقليدية خارج مشروع الديمقراطية والدولة الحديثة وترهن مواقفها بقيم ما قبل الدولة، وتعيد إنتاج أدوار ديوان الشيخ فهذا لا يليق بالأحزاب السياسية ولا بدورها ولا بتاريخها.
وهذا لا يعني عدم إشراك كل القوى الاجتماعية في العملية السياسية والتنموية لكنا نتحدث عن أهمية فك ارتباط العمل التنظيمي والحزبي المدني والسياسي القانوني عن البنى التقليدية والرهان على التحديث لا على الاستظلال بالقبيلة بدلاً عن التنظيم المدني حتى وإن كانت شروط القوة أو التأثير تقف إلى صف القوى التقليدية.
ذلك أن الشعب يراهن على الحداثة وعلى البنى الجديدة في تبني أحلامه المستقبلية ويعي أن الانخراط في العالم يستلزم أدوات حديثة، بل وأصبح يربط بين رغبات الهيمنة الخارجية والبنى التقليدية بعد أن تخلت الليبرالية عن قيمها واستعادت رغباتها الاستعمارية بمعايير المصلحة البحتة الخالية من أية قيمة ،وسعيها من جديد لإعادة تحالفها وترميم علاقاتها مع القوى التقليدية خارج منظومة القيم المتخلى عنها.
وبالشواهد القريبة تعد تلك الاستقالات الجماعية المتتالية التي حدثت داخل ما يسمى باللجنة التحضيرية للقاء التشاوري الوطني تعبير عن صحوة من أفراد مستنيرين استفاقوا على تسخيرهم وتسخير مؤسسات المجتمع المدني لخدمة مشاريع تقليدية صغيرة ليس لها علاقة بخيارات الشعب ولا بالقيم المدنية ،ووجدوا الأحزاب السياسية تتحول إلى مداكي في ديوان المشايخ الصغار.هذه الاستفاقة مهمة لإعادة الاعتبار للحوار الوطني الذي دعا إليه الأخ رئيس الجمهورية عبر المؤسسات الدستورية والقانونية ووفق الأجندة الوطنية التي حددها اتفاق الأحزاب في فبراير 2009 م.
وأياً كانت المسافة بين الأحلام المدنية وشروط الواقع فإن انحرافات الأحزاب عن القيم المدنية غير مبرر لا تحت الدعاوى الدينية ولا القومية ولا الأممية ولا الاجتماعية. ونهيب بالأحزاب السياسية إزاء خيارات الحوار الوطني أن تتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر في رهانها على القيم المدنية وبناء الدولة الحديثة ،دولة النظام والقانون ،وأن تستقوي بقيم الحداثة لا بقيم النكوص والتراجع وفقدان الثقة.
وعليها أن تحتفظ بمستوى ثقة عال في الشعب الذي ينحاز إلى هذه المنظومة القيمية التي ناضل من أجلها كثيرا وتاق إليها طويلاً.