موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 15-ديسمبر-2025
مبارك حزام العسالي -
لم يكن اليمنيون يومًا شعبًا هامشيًا..
لم يكونوا عابرين في طريق التاريخ، ولا مجرد تفصيل صغير في خريطة الشرق..
كانوا الأصل، والبوابة، والحضارة، والطريق الذي سار فيه العالم يوم لم يكن للعالم طريق..
لكن شيئًا ما حدث.. شيئاً عظيماً، موجعاً، صادماً، يجعل السؤال يتحول إلى صرخة:
ماذا حدث لليمنيين؟!..
إنه سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في جوفه كل القهر، وكل الضياع، وكل الخوف من مستقبل لا يزال مجهول الرؤية، رغم أن الأرض أقدم من أعمار الطغاة جميعًا..

من الإشراف على طريق التجارة.. إلى الوقوف على قارعة البطالة
كان اليمني سيد الطرق البحرية، حارس ممرات التجارة، ومهندس طرق القوافل.
كانت الجغرافيا كنزًا، والبحر صديقًا، والمكان يمنح اليمني معنى ودورًا وتأثيرًا..
اليوم، يقف اليمني أمام طرق أخرى:
طرق البطالة، وطرق النزوح، وطرق الانتظار الطويل أمام أبواب المنظمات..
اختُزلت المكانة إلى معونة، والدور إلى طابور، وكرامة الإنسان إلى بطاقة تُختم بختم "المساعدات"..
لم يسقط اليمن من دوره التجاري وحده، بل سقطت معه الدولة، وتهاوت معه المؤسسات، وتحوّل الشعب إلى شاهد على هدرٍ منظم للفرص والقدرات.

من زراعة القمح.. إلى زراعة الوهم
كان اليمني يزرع القمح، ويبني غلاله بعرق جبينه.
وكانت الأرض تحترم صاحبها، والمحراث يحترم يد الفلاح، والدورة الزراعية جزء من دورة الحياة.
لكن حين دخلت البلاد في دوامة الصراع، بدأت تزرع شيئًا آخر:
تزرع الوهم..
وهم الدولة التي لا تأتي..
وهم الحلول السحرية..
وهم وعود المسؤولين الذين لا يعرفون معنى المسؤولية..
وهم الإصلاحات التي تُعلن ثم تُدفن قبل أن تولد..
وهم "السلام" الذي يتحول كلما اقترب إلى سراب جديد..
سقطت الزراعة، فارتفعت أسعار الغذاء، وغابت السيادة الغذائية، فأصبح اليمن يستورد رغيفه كما يستورد معاناته..

من المصافحة… إلى "المداحسة"
كان اليمنيون أوائل من جاء بروح المصافحة، اللين، الحكمة، والبساطة.
كانت المصافحة عندهم عهداً، والكلمة سيفاً، والخصومة لا تخرج عن حدود الأخلاق.
لكن السياسة دخلت من باب ضيق، فتحولت المصافحة إلى "مداحسة"..
صار الغدر دهاءً، وصار التلاعب مهارة، وصارت الخيانة "فنًا سياسيًا".
صار المسؤول لا يستحي أن يقول ما لا يفعل، وأن يفعل ما لا يعلن، وأن يتاجر بكل شيء: الأرض، الإنسان، السيادة، وحتى القِيَم..

رقة القلوب.. وضعف الجيوب
لم تتغير قلوب اليمنيين، فهي لا تزال أرقّ القلوب وألين الأفئدة.
لكن الذي تغيّر هو الجيوب التي أصبحت أرقّ من أن تتحمل الحياة، والأرصدة التي أصبحت أضعف من أن تقاوم أي أزمة.
إن الفقر في اليمن ليس ابن الظروف… بل ابن السياسات:
سياسات الفساد، والارتزاق، والنهب من الداخل، والحصار من الخارج..
صار اليمني يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، وجرائم لم يشارك فيها، وصراعات لم يخترها.

من سد مأرب.. إلى صهريج "الوايت"
سد مأرب كان معجزة هندسية، علامة حضارية، ورمز دولة قوية.
كان شاهدًا على أن اليمنيين حين يريدون… يفعلون.
لكن اليوم، يقف اليمني في طوابير الماء أمام "وايت" صغير، يبحث عن قطرة تُبقي على ما تبقى من حياة.
هذا ليس عجزًا، بل نتيجة انهيار إدارة المياه، وغياب الدولة، وتحول الخدمات إلى تجارة، والمواطن إلى زبون باهت في سوق الابتزاز.

من تصدير البن.. إلى استيراد الانكسار
البن اليمني كان قصة عبق، شخصية بلد، ومصدر رزق كريم.
كانت السفن تخرج من موانئ اليمن محملة برائحة البن الفاخر.
اليوم، أصبح البن المستورد يملأ الأسواق، بينما المزارع اليمني يختنق بسبب الإهمال، وانعدام الدعم، والضرائب العبثية، واحتكار التجار.
لم يعد اليمن يستورد البن فقط…
بل يستورد الانكسار، ويستهلك الهزيمة الاقتصادية كل صباح مع فنجان من البن الأجنبي..

من الحكمة اليمنية.. إلى المتاهة اليمنية
كان اليمنيون يُعرفون بالحكمة، وكانت الحكمة تُنسب إليهم كأنها نسب شرف..
لكن في زمن الفوضى، ضاعت الحكمة بين الأطماع، وتاهت البوصلة بين مراكز القوى، وتشظت القرارات بين العواصم التي تتعامل مع اليمن كملف تفاوض لا كدولة..
لقد تحولت اليمن من ساحة حضارة إلى ساحة تصفية حسابات، ومن بلد ذو قرار إلى بلد تُتخذ قراراته خارجه..

من باب البيت.. إلى "الطاقة"
لم يعد اليمني يخرج من الباب، لا مجازًا ولا واقعًا.
الباب أصبح مغلقًا، والفرص مقفلة، والدولة مغلقة، والأمل مغلق.
لم يعد أمامه إلا "الطاقة"؛ منفذ صغير يهرب منه من ضيق الحياة، بحثًا عن رزق، أو فرصة، أو ماء، أو دواء، أو مستقبل..

من أصحاب الجنة.. إلى جحيم الصريم
كان اليمن أصحاب الجنتين، رمز الخصوبة والرخاء.
أما اليوم، فالجنة نفسها باتت صرخة، أرضًا محروقة، وموارد منهوبة، وقرى تتناقص، ومدن تُستنزف، وطبقة سياسية تُغذّي الخراب كما لو أنه مشروعها الوطني.
لم يعد السؤال عن اليمنيين مجرد استرجاع للماضي، بل هو تفكيك للحاضر، وجرأة في النظر إلى المستقبل دون تزييف أو تجميل.
فما جرى لم يكن قضاءً وقدرًا، بل نتيجة سلسلة طويلة من الأخطاء، والتدخلات، والانقسامات التي تكالبت جميعها على هذا الشعب.
لقد أصبح اليمن ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يختبر نفوذه، ويجرب سلاحه، ويفاوض على حساب شعبه.
تحولت الأرض إلى ورقة مساومة، والإنسان إلى رقم، والسيادة إلى ملف تنتظره طاولة الأمم المتحدة التي تتذكر اليمن حين تحتاج إلى بيانات.
المؤلم أن الانكسار لم يكن عسكريًا فقط، بل كان أخطر من ذلك: كان انكسارًا في الوعي.
أصبح جزء من اليمنيين يظن أن الحل يأتي من الخارج، وأن قوة القرار تسكن في العواصم لا في صنعاء وعدن وتعز والحديدة.
صار البعض يربط الولاء بالممول، والانتماء بالراتب، والموقف السياسي بما يقوله الغريب لا بما يحتاجه الوطن.
ووسط هذه الفوضى، تُرك الشعب وحيدًا يواجه أكبر كارثة إنسانية في العالم، بينما الطبقة السياسية تتقن فن الخطابة أكثر من فن بناء الدولة.
ففي الوقت الذي تتساقط فيه الخدمات، ترتفع فيه شعارات فارغة من أي مضمون إنقاذي..
الطرقات التي كانت شاهدة على قوافل التجارة أصبحت اليوم مسرحًا لحواجز التفتيش، والدهاليز التي صنعتها الحرب صارت أوسع من شوارع المدن نفسها..
كل شيء تغيَّر:
العائلة تغيّرت، العلاقات تغيّرت، لغة الناس تغيّرت، وحتى نظرة اليمني إلى مستقبله أصبحت مرتبكة بين خوف وأمل وبقايا صبر.
ومع ذلك، ما زالت في اليمن قوة مخفية، قوة يعرفها الأعداء أكثر مما يعرفها الأبناء.
قوة اسمها: صلابة اليمني..
هذا الإنسان الذي يجوع ولا ينكسر، يُظلم ولا يستسلم، يُحاصر ولا يتراجع، يختنق لكنه لا يعلن الموت.
لقد فشل العالم في فهم اليمنيين:
ظن أنهم سينتهون بالجوع، لكنهم صمدوا.
ظن أنهم سينقسمون حتى الذوبان، لكنهم ما زالوا رغم كل شيء شعبًا واحدًا في عمقه.
ظن أن الحرب ستقتل روحهم، لكنها زادتهم عنادًا وإصرارًا على الحياة.
الأمم لا تموت طالما بقي فيها من يسأل: لماذا حدث هذا؟
ومن يرفض أن تتحول الهزيمة إلى قدر.
اليمن يحتاج اليوم إلى مشروع وطني واحد، لا مشاريع متعددة، ولا جبهات متشظية، ولا ولاءات متعارضة.
مشروع يعيد اليمني إلى مركز القصة، ويخرجه من هامش السياسة الإقليمية.
كما يحتاج إلى نخبة سياسية جديدة، غير تلك التي أرهقت البلاد، نخبة تفهم أن السياسة ليست باب رزق، ولا وسيلة للبقاء في الفنادق، ولا بطاقة دبلوماسية للتنقل بين العواصم.
نخبة تؤمن بأن الوطن ليس مزرعة، وأن الشعب ليس حطب حرب، وأن التاريخ لا يرحم من يبيع وطنه بثمن بخس.
ولكي ينهض اليمن، لا بد أن يستعيد المواطن ثقته بنفسه قبل ثقته بالدولة، وأن يؤمن بأن التغيير يبدأ من الداخل لا من الخارج.
فلا أحد سيبني اليمن بدل اليمنيين، ولا دولة ستُهدى لهم جاهزة، ولا مستقبل سيأتي بالقوة الناعمة للبيانات الدولية.
إن اليمن يقف اليوم على حافة مفترق تاريخي:
إما أن يستعيد دوره، وإما أن يستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة صنعتها الحرب وصانها الفساد.
لكن التاريخ علمنا أن اليمن لا يبقى على الأرض طويلًا…
هو يسقط فقط كي يقف أقوى.
وينكسر كي يعيد تشكيل نفسه..
ويتعثر كي يُعلّم العالم من جديد معنى الصمود.
وهكذا، يعود السؤال ليكون بداية لا نهاية:
ماذا حدث لليمنيين؟!..
حدث أن العالم كله اجتمع عليهم،
لكنهم ما زالوا واقفين..
ختامًا.. اليمن لن يموت مادام أبناؤه يرفضون الهزيمة.. اليمن اليوم لا يحتاج خطابات، ولا شعارات، بل إرادة، ووحدة، ومشروع وطني جامع..
شعب اليمن لم ينكسر يومًا، ولن ينكسر… ما دام قلبه ينبض بالحياة، وما دام يسأل ليعرف، ويعرف ليقاوم، ويقاوم ليصنع وطنًا يليق بتاريخه.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)