موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر -
مقالات
الميثاق نت -

الأحد, 21-ديسمبر-2025
مـحـمـد ناجي الخاوي -
قال الفيلسوف الإغريقي سقراط ذات يوم:
"إني لا أعلم إلا أمرًا واحدًا فقط، وهو أني لا أعلم شيئًا"..
تبدو الجملة في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل أعمق معاني التواضع المعرفي الذي تفتقده مجتمعات كثيرة اليوم، ومنها مجتمعنا اليمني..
سقراط كان يدرك أن طريق الحكمة يبدأ من الاعتراف بالجهل، وأن مَنْ يدَّعي امتلاك الحقيقة المطلَقة، إنما يُغلق عقله أمام أي معرفة جديدة..
في المقابل، نعيش اليوم في اليمن وسط فوضى فكرية وصوتية، حيث يتحدث الجميع في كل شيء، ويجادل الجميع في كل مجال، من السياسة إلى الدين إلى الاقتصاد، حتى صارت الكلمة في غير موضعها أخطر من السلاح في الميدان..
تجسّد الأمثال الشعبية هذه الحالة حين تقول:
"يكفيك شرّ الجاهل إذا تعلَّم"..
فكم من جاهلٍ تعلَّم بعض المصطلحات السياسية فظن نفسه محللًا استراتيجيًا..
وكم من شخص قرأ منشورًا على وسائل التواصل فصار يفتي في قضايا مصيرية..
وكم من متعلّمٍ ظن أن الشهادة كافية لتمنحه الحق في إسكات الآخرين!
هذا النوع من “المتعالمين” هو الذي يُعقّد المشهد اليمني أكثر مما هو معقَّد..
فعوضاً عن أن يكون العِلم وسيلة للتنوير، صار أداة للمزايدة والجدل..
وحين يتحدث الجميع بثقة مطلقة دون عِلمٍ كافٍ، تختلط الحقائق بالأوهام، وتضيع البوصلة الوطنية بين الأصوات المرتفعة..
إن أحد أسباب الانقسام الاجتماعي والفكري والسياسي في اليمن اليوم هو انتشار هذا النمط من التفكير:
الكل يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلَقة،
ولا أحد يقبل أن يكون مخطئًا أو جاهلًا في أمرٍ ما..
تحوّل النقاش إلى معركة، والرأي إلى سلاح، والاختلاف إلى خصومة..
وبدلاً من أن يكون العِلم وسيلة للنهضة، أصبح بعض مَنْ يتزيّنون به عقبة أمامها..
وفي خِضَمّ هذا المشهد، تبرز مأساة أخرى: احتقار المتخصصين.. فلا مكان للخبير الحقيقي، ولا وزن لأهل الاختصاص، بينما يتصدر المشهد مَنْ يملك الجرأة على الكلام، لا مَنْ يملك المعرفة الحقيقية..
وهكذا تُتخذ القرارات، وتُبنى المواقف، وتُوجّه الرأي العام، على أساسٍ من الجهل المغلَّف بالثقة..
لقد آن الأوان أن نعيد الاعتبار لفلسفة سقراط في وعينا اليمني.. أن ندرك أن العِلم لا يعني الادّعاء، وأن الفهم لا يأتي من الصوت العالي، بل من العقل الهادئ.. أن نربّي في أنفسنا وأجيالنا فضيلة الشك والتواضع، لا غرور الادّعاء..
فالمجتمع الذي يملؤه “العارفون بكل شيء” مجتمعٌ لا يتعلم شيئًا،
والوطن الذي يُدار بعقول ترفض الإصغاء، محكومٌ عليه بأن يدور في حلقة مُفرَغة من الفوضى والجدل العقيم..
لعلنا نحتاج اليوم أن نردد جميعًا، بصدقٍ ووعي:
"إني لا أعلم إلا أني لا أعلم شيئًا".. لأن في هذا الاعتراف بداية الطريق نحو شفاء الوعي، ونحو بناء وطنٍ..
ذلك الجاهل الذي صار ظاهرة في المشهد اليمني؛ يتصدر الحوار العام، يخلط بين الرأي والمعرفة، وبين الاجتهاد والادّعاء، فيربك العقول، ويغذّي الانقسام، ويعمّق الأزمات..
لقد أصبح الجهل المتغطرس واحدًا من أخطر أمراض اليمن المعاصرة.. فعلى الساحة السياسية يرفع كل طرف شعار “امتلاك الحقيقة”، وفي الساحة الاجتماعية يتنازع الناس حول تفاصيل لا يفهمون عمقها،وفي الإعلام صارت بعض المنابر تعزف على وتر العاطفة لا على نغمة الوعي..
ولم يَعُد الجهل مجرد نقص في المعلومات، بل تحوَّل إلى قناعة زائفة تُسوِّغ التعصُّب والانقسام..
فكل حزب بما لديهم فَرِحون، وكل فئة ترى نفسها وصية على الوطن والحق معًا، بينما الحقيقة أن الوطن هو الخاسر الأكبر من هذا الضجيج..
لقد أدّى هذا النمط من التفكير إلى تآكل الثقة بين اليمنيين، وأضعف مفهوم الدولة، وشتَّت الرؤية الجامعة، حتى غدا الحوار الوطني في بعض الأحيان ساحة صراع بين متعالِين، لا بين متفاهمين..
إن أخطر ما يخلّفه الجهل حين يتزيّن بثوب المعرفة، هو أنه يفرز وصاية فكرية وسياسية تُمسِك برقاب الآخرين..
وصاية تُمارَس باسم الدين تارةً، وباسم الوطنية تارةً أخرى، في حين أن لا أحد يملك تفويضًا من الحقيقة أو من التاريخ ليتحدث باسم اليمن كله..
ومن هنا، فإن بتْر يد الوصاية — أيًّا كان شكلها — يبدأ من كسْر احتكار المعرفة واحتكار القرار، ومن الاعتراف بأن لا أحد أذكى من الآخر،
وأن خلاص اليمن لن يأتي من فئةٍ تدَّعي العصمة، بل من وعيٍ جماعيٍّ يشارك فيه الجميع دون استثناء..
إن الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل هو السلاح الأهم في معركة بناء اليمن..
فالشعب الواعي لا يُخدَع بالشعارات، ولا يُقاد بالوصاية، ولا يُستدرج إلى صراع عبثي..
والتعليم هو البذرة الأولى لذلك الوعي، به تُهذَّب العقول، وتُـكسَر القيود الفكرية، ويتحرر الإنسان من أسر الجهل والانقسام..
إن الاستثمار الحقيقي الذي يجب أن تتوجه إليه اليمن اليوم هو استثمار في التعليم النوعي، والتفكير النقدي، والوعي الوطني الجامع..
حين يتعلّم الطفل كيف يسأل لا كيف يردد، وحين تُغرَس في الأجيال قِيمة التسامح بدل التحريض، حينها فقط يمكن أن تبدأ المصالحة اليمنية الحقيقية، مصالحة بين العقول قبل أن تكون بين الأطراف..
إن الطريق إلى الخروج من الدائرة المظلمة لا يمر عبر السلاح ولا عبر الخطب، بل عبر ثورة فكرية هادئة تُعيد تشكيل الوعي، وتُعيد للتعليم دوره في بناء الإنسان اليمني الحُرّ..
حين يدرك كل طرف أن اليمن أكبر من الجميع، وأن لا نجاة لفريق دون الآخر، ستبدأ أولى خطوات المصالحة اليمنية الصادقة، المصالحة التي تنبع من الداخل، لا من الخارج، وتقود إلى يمنٍ واحدٍ حُرٍّ، مستقلٍّ، لا وصاية عليه إلا وصاية الله ثم الوطن..
لقد آن لليمن أن تتجاوز مرحلة “مَنْ يملك الحقيقة”، إلى مرحلة “مَنْ يبحث عنها”..
أن نكفّ عن ادّعاء المعرفة، ونبدأ رحلة التعليم والتنوير من جديد..
فما دُمنا نحمل في وعينا بقايا جهلٍ متكـبّر، سنظل ندور في دوامة الأزمات..
أما حين نختار الوعي والتعليم طريقًا، فسنكسر قيود الوصاية، ونمدّ أيدينا لبعضنا في مصالحة يمنية شاملة،
تُعيد للوطن معناه، وللأرض أمانها.. ولتشرق من بين الجِراح يمنُ الحكمة والإيمان.. يمنُ الأمان والازدهار.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)