موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 09-فبراير-2026
عماد عيساوي -
الإسلام لم يتغير لأنه أراد أن يتغير، بل تَغيَّر لأن البشر منذ اللحظة الأولى لم يتحملوا ثقل النص الإلهي الخالص..
إنهم يحبون الوسيط، يحبون الكاهن، يحبون أن يتبعوا بشريًا يمكن لومه، ولا يطيقون أن يتحملوا مسؤولية الاختيار أمام الله بلا وسيط..
وهكذا، منذ وفاة الرسول، بدأت المعركة الكبرى، معركة السيطرة على “المعنى”، فالذي يملك المعنى يملك الناس ويملك السلطة..
بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، ظهرت فجأة مشكلتان هائلتان، الأولى هي مشكلة السلطة.. مَنْ يحكم؟، هل القرابة أم الكفاءة؟، هل المهاجرون أم الأنصار؟، هل الشورى أم النص الشرعي؟..
هكذا وُلدت أول بذرة سياسية، ستصبح فيما بعد شِيعة وسُنّة..
والثانية، مشكلة النصوص.. هل يُكتب الحديث؟، مَنْ يروي؟، مَنْ يضبط الذاكرة؟، مَنْ يملأ فراغ غياب النبي؟..
ومع كل سؤال، كانت السياسة تتسلّل خطوة أبعد..
ابن خلدون قال “الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم”..
أي أن السلطة تحتاج “خطابًا دينيًا” يحرسها وهذا ما حدث..
إثر اغتيال الخليفة عثمان بن عفان بدأت المِلَل تتشكل..
فريق يرى الخلافة سياسية، وفريق يراها إلهية، وفريق يراها ثأرًا، وفريق يراها بَيعة، وفريق يراها دمًا يجب أخذه..
اغتيال عثمان كان الزلزال الذي شق الأمة إلى شقين، علي ومعاوية، ومنه وُلدت الشيعة (الشرعية من البيت النبوي)، والسُنّة (الشرعية من الجماعة) والخوارج (الشرعية من القتال)، وهكذا تحولت السياسة إلى عقيدة..
الأمويون واجهوا أكبر تَحَدٍّ وهو كيف يقنعون الناس بشرعية حكم لا يستند إلى “سلالة النبي”؟.. فابتكروا لأول مرة رواية سياسية وهي روايات في الطاعة، روايات في تقديس الجماعة، روايات في تحريم الخروج، روايات في فضل بني أمية، روايات في “الفتن” وضرورة الصمت.. ولأول مرة في التاريخ، ظهر محدّثو السلطة، وفي مقابلهم ظهر محدّثو المعارضة..

الرواية أصبحت “سلاحًا سياسيًا”
هكذا قال فوكو “الخطاب ينتج السلطة، والسلطة تنتج الخطاب”..
لم يكن حديثٌ يُروى إلا ويحمل خلفه صراعًا..
مع العباسيين، بدأت الدولة أكثر اتساعًا وتعقيدًا، لا يمكن إدارتها بلا “عقل ديني منظّم” فحدث التالي، أولاً صناعة المذاهب الفقهية، حيث كان أبو حنيفة بالكوفة المعارضة السياسية الناعمة، ومالك بالمدينة مدرسة الأثر والسلطة الهادئة، والشافعي بالقاهرة يمثّل عقلنة الفقه، وابن حنبل في بغداد الصدام مع الدولة..
المذهب لم يكن فقهًا فقط بل كان هوية سياسية متنكرة في ثوب ديني..
ثانياً، صناعة المناهج العقدية (الكلام)، وهنا انفجرت الفلسفة فظهرت المعتزلة مدرسة العقل، مدرسة الحرية، مدرسة “الإنسان مسؤول عن فعله” فدعمتها الدولة العباسية، ولم يكن دعم الدولة لاهوتًا بل سياسة..
وظهر الأشاعرة الذين جاءوا كرد فعل على المعتزلة وكان عنوانهم "نعم العقل لكن تحت سقف النص" فاعتمدتهم الممالك لاحقًا لأنه مذهب وسطي مطيع..
ونشأت السلفية الأولى كردّة فعل على الفلسفة والكلام وشعارهم "لا عقل لا تأويل، النص كما هو" فكانت مدرسة مقاومة للتعقيد السياسي، لكنها ستُستعمل لاحقًا سياسيًا أيضًا..
وظهر الفلاسفة مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد، هؤلاء حاولوا أن يقولوا إن "الدين فلسفة، والفلسفة دين"، لكنّ الفقهاء اعتبروا هذا تهديدًا لسلطتهم، فحُورِبوا، ونُفِي ابن رشد، واتُّهم ابن سينا..
وهكذا خسر الإسلام أعظم فرصة عقلانية في تاريخه..
في القرنين الثالث والرابع الهجري، صُنعت كتب الحديث، وصُنعت الموسوعات الفقهية، وتشكَّـلت العقائد، وظهرت المدارس الحنبلية والأشعرية والماتريدية..
هنا وقع التجميد، تجميد الفقه، تجميد العقل، تجميد الاجتهاد، تجميد الزمن؛ وقال الناس“نحن أمة كاملة منقوصة لا تتغير”.. وهنا بدأ التراجع الحضاري..
وحين سئم الفقراء من صراعات الفقهاء، هربوا إلى الله مباشرة، فولد التصوُّف كصرخة ضد “طبقة رجال الدين”..
لكن الدولة كالعادة استعملته.. دعمت الطرق، صنعت الأولياء، بنت الزوايا، لتحويل التصوُّف من “ثورة روحية” إلى “أداة ضبط اجتماعي”..
عندما دخل هولاكو بغداد، لم يسقط الخليفة فقط، بل سقطت منظومة كاملة، الفقه، الكلام، العقل، والسياسة..
من يومها، الأمة دخلت زمن “الاجترار” ولم تعد تكتب فكرًا بل تعيد تكرار ما كُتب..
العثمانيون جعلوا الدين قانون دولة، مُفْتٍ، قاضٍ، ديوان، تنظيم، حافظوا على الدين، لكنهم خنقوا الاجتهاد فصار الفقه مؤسسة، والعلم صار “وظيفة”، والشيخ صار “موظف الدولة” وهكذا ماتت الروح الحُرة في الإسلام..
عندما استيقظ المسلمون ووجدوا أنفسهم مُستعمَرين، سألوا السؤال القاتل: “ماذا حدث لنا؟”..
فجاءتهم الإجابات.. قال السلفيون الحل في العودة إلى السلف.. والعقلانيون رَدُّوا بالعودة إلى العقل.. والثوريون رفعوا شعار “العودة إلى المقاومة، ونشأ الإسلام السياسي في دعم فكرة العودة إلى الدولة الإسلامية”..
لكن الجميع نسي السؤال الحقيقي وهو: هل عرفنا الإسلام مَرةً بلا وسطاء؟..
لم يكن الإسلام هو المشكلة، بل الطبقة البشرية التي التفّت حوله، صنعت له شروحًا، وصنعت من الشروح مذاهب، ومن المذاهب طوائف، ومن الطوائف دولاً، ومن الدول حروبًا، ومن الحروب ذاكرة، ومن الذاكرة تراثًا، ومن التراث سجناً فكريًا على شكل مقدَّس..
هذا هو الإسلام كما جرى في التاريخ، دينٌ بسيط أغرقه البشر في تعقيدات لا آخر لها..
رسالة واحدة شقُّوها إلى مدارس، وكتاب واحد غلَّفوه بالمجلدات، وإله واحد اقتسموا طريقه إلى طرق..
وإذا أردتم الحقيقة النهائية، لم يتغير الإسلام بل تَـغيَّرت أيدي الذين حملوه.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)