عبدالسلام الدباء* - هل تصدق أن تسعين دقيقةً فقط تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه خطابات طويلة وأحداث كثيرة؟.. وأن كرة صغيرة تركض فوق عشب الملعب يمكنها أن تجعل الملايين ينسون أوجاعهم لبعض الوقت؟.. هذا ما حدث تمامًا حين ارتفعت الأعلام اليمنية واشتعلت مشاعر الفرح بعد صافرة النهاية التي أعلنت فوز منتخبنا الوطني على نظيره اللبناني بهدفين دون مقابل، ليحجز "أُسُود سبأ" بطاقة العبور إلى نهائيات كأس آسيا 2027م في السعودية..
لم يكن الأمر مجرد انتصار كروي عابر، ولم تكن المباراة مجرد ثلاث نقاط تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان المشهد أكبر من ذلك بكثير.. كان انتصاراً خرج من بين الركام، وفرحةً وُلِدت من قلب المعاناة، ورسالةً قويةً بأن الأحلام لا تموت مهما تَعاظمت الصعوبات..
المنتخب اليمني دخل المباراة وهو يدرك أن الطريق نحو النهائيات لا يقبل أنصاف الحلول، بينما كان المنتخب اللبناني يكفيه التعادل.. لكن لاعبي اليمن دخلوا بروح مختلفة، بروح مَنْ يعرف أن التاريخ لا يُكتب بالأمنيات بل بالإرادة والإصرار.. واستطاع المنتخب حَسْمَ المواجهة بهدفين نظيفين، ليتصدر مجموعته برصيد 14 نقطة ويعود إلى نهائيات كأس آسيا للمرة الثانية في تاريخه بعد مشاركته الأولى عام 2019م..
وفي لحظات الإنجاز الكبيرة، يعود السؤال القديم ليفرض نفسه من جديد: أين الذين اعتادوا توجيه سهام النقد إلى كرة القدم اليمنية؟.. وأين الأصوات التي حمَّلت الاتحاد اليمني لكرة القدم ورئيسه الشيخ/ أحمد صالح العيسي، وأمينه العام الأستاذ/ حسام السنباني، مسؤولية كل تَـعـثُّر وكل إخفاق؟!
في الرياضة كما في الحياة، النقد حق مشروع، بل إنه ضرورة للتصحيح والبناء.. لكن الإنصاف أيضاً قيمة مهنية لا تقل أهميةً عن النقد نفسه.. وإذا كان البعض قد انتقد الإدارة الرياضية في لحظات الإخفاق، فإن من الواجب كذلك الاعتراف بدورها عندما يتحقق الإنجاز..
قد يختلف كثيرون حول السياسات والقرارات والأساليب، وقد تتباين وجهات النظر حول أداء الاتحاد ورئيسه وأمينه العام، وهذا أمر طبيعي وصحي.. لكن ما لا يمكن إنكاره أن المنتخب وصل إلى هذا الموعد القاري في واحدةٍ من أكثر المراحل صعوبةً التي مرت بها الرياضة اليمنية.. وفي ظروف استثنائية، وتحدّيات لوجيستية ومالية وفنية، ومع ذلك استطاع المنتخب أن يشق طريقه نحو الحُلُم القاري..
الأجمل من الفوز نفسه أن اليمنيين في تلك اللحظات نسوا كل اختلافاتهم.. لم تكن هناك انتماءات ضيّقة ولا حسابات صغيرة، بل كان هناك اسم واحد فقط يعلو فوق كل شيء: "اليمن" وراية واحدة تُرفع أمام العالم "عَـلَم اليمن"، وهتاف واحد لا يُـعلى عليه: "حَـيُّوا اليماني حَـيُّوه" و "بالروح بالدم نفديك يا يمن"..
لقد أثبتت كرة القدم مرةً أخرى أنها ليست مجرد لعبة "طبة"، بل إنها لغة تجمع الناس حين تتعبهم الخلافات، وجِسْر يعيد القلوب إلى بعضها عندما تتسع المسافات.. وفي اليمن، تُمثّل كرة القدم مساحة نادرة يلتقي فيها الجميع تحت راية واحدة، فتيقظ روح الانتماء، وتُنعش الأمل، وتُذكّـر اليمنيين بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرّقهم..
ومع اقتراب موعد البطولة الآسيوية في يناير 2027م، لن يكون المطلوب الاكتفاء بالاحتفال أو تعليق الآمال على الحماس وحده، بل يجب أن يتحول هذا التأهُّل إلى مشروع حقيقي؛ دعم فني أفضل، إعداد أقوى، وبيئة رياضية تساعد على استمرار الإنجازات لا الاكتفاء بالفرح المؤقَّت..
أما اليوم، فثمة حقيقة واحدة يصعب تجاهلها: هناك منتخب يمني جديد وُلِـدَ من رحم الوجع، وقف بين كبار آسيا رافعاً راية اليمن بكل فخر.. وفي صدارة المشهد لاعب يمني هدَّاف يشق طريقه إلى المستقبل بكل قوة "ناصر محمدوه" تَذكَّـروا هذا الاسم جيداً.. لا تنسوه..
ويبقى التساؤل الجميل الذي تطرحه كرة القدم دائما: كيف لهذا الشيء البسيط الذي اسمه "هدف" أن يجعل وطناً كاملًا مثل اليمن برغم كل الظروف يبتسم في نفس اللحظة التي تتراقص فيها الشباك؟.. وكيف تتلاشى في تلك اللحظة الحواجز المصطـنَـعة بين المدن، وتذوب الفوارق في بوتقة الاحتفال الواحد، لتتحول أفراح الملعب إلى مِرآةٍ تعكس صورة وطنٍ يرفض الانكسار..
إنها لحظة انتصار للإرادة الوطنية التي أثبتت أن الشعب اليمني، متى ما توافرت له الظروف المناسبة، قادرٌ على كتابة قصص المجد من لا شيء، وقادرٌ على تحويل أحزان الأمس إلى وقود لصناعة غدٍ يترقب الجميع تفاصيله في "آسيا 2027م"..
فاليوم، لا نحتفل فقط بالفوز، بل نحتفل بقدرتنا على البقاء، وبقدرتنا على إهداء العالم رسالة مفادها: أن اليمن، رغم كل الجِـرَاح، ما زال يمتلك نبضاً لا يتوقف، وشغفاً لا ينطفئ، وأحلاماً تتسع باتساع أرضه التي لم تبخل يوماً على كرة القدم بالأبطالٍ "أُسُود سبأ" ولا على الوطن في كل منعطف بأملٍ جديد.
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|