موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


قيادات مؤتمرية لـ"الميثاق": الحلول المستوردة لا تصنع سلاماً - العميد قاسم حسين الثور: الجمهوري الذي قتل مرتين - نماذج ممن أطلق عليهم البردوني وصف "ثوار في رحاب الله" ثوار في محاريب الإخلاص والنزاهة - أكاديميون وصحفيون:ثورة 26سبتمبر ميلاد حقيقي للهوية الوطنية والجمهورية ورمز للانعتاق - عندما تتحول من حدث إلى مشروع.. الثورة اليمنية في الميثاق الوطني - خطيب الأقصى يحذّر من تحركات الاحتلال - العدو يستهدف 3 محافظات بـ28 غارة - تقرير حقوقي يوثّق جريمة إصلاحية الجوف - الخارجية: لدينا الحق بالرد على نشاط العدو - قيادات مؤتمرية: كل عضو معني بالدفاع عن التنظيم والتصدّي للدعوات المشبوهة -
الأخبار والتقارير
الميثاق نت -

الإثنين, 21-سبتمبر-2026
د. أحمد عبد الله الصعدي -
قد تستغرب العنوان، عزيزي قارئ هذه السطور، وقد يثير سخريتك فتتساءل ساخطاً: عن أي ثوار، وعن أية نزاهة وإخلاص نتحدث، ونحن لم نعرف إلا "ثواراً" ظلوا يشجبون الفساد ويلعنون الفاسدين، ويعلنون أن غايتهم السياسية ليست السلطة بحد ذاتها، بل بوصفها أداة لازمة لإقامة مدينة طوباوية على هذا الوطن، اليمن "السعيد بحكامه"، خالية من الفساد، قائمة على المحاسبة وحكم القانون، والتفاني في خدمة الوطن والمواطن، وعندما وصلوا إلى السلطة وتذوقوا لذتها ونعيم غنائمها أنكروا ذواتهم السابقة وأصبحوا كسابقيهم أو أسوأ، فاقدين الحياء وأبسط أثر للشعور بالخجل إزاء ما كشفته ممارساتهم من فقر مريع في قيم الأخلاق السياسية، لأن السياسة ليست "فن" الخداع ومجال المصالح الضيقة، بل تعني الاهتمام بالشأن العام، شأن المواطن والوطن، وليس التجرد الفج من الضوابط الأخلاقية ومن الكرامة الإنسانية.

وأنا أوافقك، عزيزي القارئ الساخط، في ما تعتقده بشأن ضحالة السياسيين والسياسة في بلادنا، في العقود الأخيرة، ولكن مهلاً، فمن أنوي التذكير بهم وبمناقبهم كانوا بالفعل والقول ثواراً أخلصوا بكل ما يعنيه الإخلاص للقضية التي آمنوا بعدالتها وعملوا من أجلها، وكانوا نزيهين عن شوائب استغلال المناصب والنفوذ والفرص لجني مكاسب وتحقيق مصالح شخصية أو عائلية.

لقد عرف اليمنيون في الشمال والجنوب ثواراً كان الإخلاص للثورة والوطن والنزاهة من خصالهم الأصيلة، ولكننا نقصر إشارتنا على نماذج منهم، نماذج ممن أطلق عليهم عبدالله البردوني وصف "ثوار في رحاب الله"، وهم 28 ثائراً من ثوار سبتمبر 1962م، خص كل ثائر منهم بحلقة من حلقاته التي بثتها إذاعة صنعاء، ضمن برامجها التي أعدتها للاحتفاء بعيد الثورة في ثمانينات القرن الماضي، وأحسنت الهيئة العامة للكتاب بصنعاء عندما أصدرت حلقات البرنامج في كتاب ورقي عام 2025م، يحمل ذات الاسم الذي أطلقه البردوني على حلقاته الإذاعية المذكورة وبحسب ترتيب إذاعة الحلقات.

كل قصة تروى

لكل فرد من أولئك الثوار، الذين تحدث عنهم البردوني قصة، وكل قصة تروي حياة شخص وجانباً من حياة المجتمع في اليمن المتوكلي، في بلد يعيش عزلة رهيبة عن العالم، عزلة كان بعض اليمنيين يدرك وطأتها، كما كان عامة اليمنيين يعانون البؤس والحرمان بسبب التخلف الشامل الذي جثم على صدر المواطن والحاكم. تناولت الحلقات الثلاث الأولى من كتاب البردوني أوائل شهداء الثورة الذين احترقوا مع دبابتهم مقتحمين دار البشائر وهم عبد الرحمن محمد المحبشي ومحمد صالح الشراعي ومحمد علي الحنكي، وقد شبههم البردوني بأولى الثمار والثمار أطهر المخلوقات حسب وصفه: "يقول المثل اليمني أول الثمرة للطير، وهذا من أحسن الأمثال لأن الثمرة أطهر المخلوقات لكونها بنت الطبيعة ولأن الطيور أنظف المخلوقات لأنها تقتات من كل طاهر وتشرب من كل نقي.

يمكن النظر إلى ما قاله البردوني في هذا الكتاب من زوايا عديدة مختلفة وربما متناقضة، وهذا وضع طبيعي تماماً، وهكذا ننظر في هذه السطور من زاوية مشكلة القيم الأخلاقية، لا سيما قيمة الإخلاص والنزاهة في الوعي الأخلاقي وفي الممارسة الأخلاقية للسياسيين ولشاغلي الوظائف الحكومية في مختلف مستوياتها.

فإذا كانت أولى الثمرات أنقى الثمار فإن طليعة الأبطال أشجع المستشهدين"، ومن أغرب الأمور، ونحن نتحدث عن الشهداء الثلاثة الأول أننا لم نكن نعرف غير الشهيدين الشراعي والمحبشي أما ثالثهم وهو سائق الدبابة فقد بقي مجهولاً أو مُتجاهَلاً حتى عرّفنا به عبدالله البردوني، وكما أسلفنا الإشارة إلى أن كل حكاية عن ثائر من هؤلاء الثوار هي حكاية عن البلد في تلك المرحلة، كذلك هي حكاية محمد الحنكي الذي تدرج في تدريب نفسه على القيادة من قيادة العجلة إلى قيادة الدبابة.
يذكر البردوني أن الدراجات العجلة انتشرت من منتصف الأربعينيات، وأن المحافظين في المدن لاقوها بأغرب استنكار، ورغم ذلك انتشرت وكثر استعمالها، وكان من يتعلم قيادة العجلة يستوعب بسهولة قيادة الدراجة النارية ثم قيادة السيارة، وهذا هو الطريق الذي سلكه محمد الحنكي بمهارة من قيادة العجلة إلى قيادة الدبابة، فكان واحداً من أمهر قادة الدبابات السوفيتية عندما وصلت في صفقة عام 1958م.

ولم يكن الحنكي ماهراً في قيادة الآلات بل كان شجاعاً في القتال وماهراً في استعمال السلاح، وهذا ما برهن عليه عام 1953م عندما نَقل على سيارة جنوداً إلى البيضاء التي كانت تتعرض إلى قصف الطيران البريطاني، حيث تمكن بسلاحه البسيط من إسقاط طائرة من الطائرات التي كانت تقصف منطقة الصومعة، فقد لاحظ فتحة في الطائرة وقدر أن هذه الفتحة متصلة بالبنزين فسدد عليها بندقيته وأطلق رصاصته فأصابت الهدف وسقطت الطائرة.

وكانت أوضح تجليات مهارته في قيادة الدبابة هي الطريق إلى شهادته مع شريكيه المحبشي والشراعي، إذ وصل إلى زقاق ضيق هو أقرب نقطة من دار البشائر، لقد كان الحنكي من الجنود المجهولين، كما يقول البردوني، فلم يكن يحمل رتبة، وكان صموتاً "فلم تشاهده جماهير صنعاء صبيحة 26 سبتمبر إلاَّ وهو محترق في تلك الدبابة الشهيرة التي كانت طريقاً إلى الثورة وطريق الثلاثة الأبطال إلى رحاب الله".

نماذج ملهمة مغيَّبة

يمكن النظر إلى ما قاله البردوني في هذا الكتاب من زوايا عديدة مختلفة وربما متناقضة، وهذا وضع طبيعي تماماً، وهكذا ننظر في هذه السطور من زاوية مشكلة القيم الأخلاقية، لا سيما قيمة الإخلاص والنزاهة في الوعي الأخلاقي وفي الممارسة الأخلاقية للسياسيين ولشاغلي الوظائف الحكومية في مختلف مستوياتها.

إن النماذج التي أوردها البردوني، وهي قليلة بكل تأكيد، إذ لا شك في أن ألوفاً من مناضلي ثورتي سبتمبر وأكتوبر عرفوا بالإخلاص والنزاهة وبقوا كما كانوا رغم تغير الظروف وتبدل القيم، هي نماذج ملهمة وينبغي أن يعرفها الناس لا سيما في الأوضاع اليمنية الحالية، وهكذا سنحاول التذكير ببعض النماذج الأخلاقية كما قدمها البردوني، ولن نضيف شيئاً على ما وجدناه عنده.

علي عبدالمغني

يشير البردوني في حديثه عن علي عبدالمغني إلى حدوث ما يشبه الصراع على السلطة بين من كانوا يسمون بالضباط القدماء والضباط الأحدث، وذلك بعد أن أعلنت الجمهورية وتشكلت دولتها وحكومتها ومجالسها المختلفة، وفي الوقت نفسه بدأ التدخل الاستعماري من الشطر الجنوبي يشن هجمات على حريب وما حولها، وإلى أن علي عبدالمغني أدرك، في هذه الأجواء، أن التصدي للخطر الذي يهدد الثورة يسبق في أهميته السلطة ويقتلع الصراع على السلطة، فتوجه مع زميليه الشامي والعمري نحو مناطق الخطر لمواجهة العدو، وسقط شهيداً في الأسبوع الثاني للثورة كما جُرح زميلاه. ويضيف البردوني إن "علي عبدالمغني لم يقاتل كالقياديين من وراء المكتب وإنما قاتل كالجنود في ميدان القتال وكان دمه أقدس شهادة على وطنيته وثوريته، لأنه آثر افتداء الوطن فانتقل من مكان القائد إلى مكان الجندي الشجاع ومن موقع الجندي الباسل إلى رحاب الله".


قاسم غالب
ومن "ثوار في رحاب الله"، في مجال الثقافة والعلم قاسم غالب، الذي رأى في نشر التعليم والثقافة سبيلاً إلى التحرر من الاستعمار والاستبداد معاً، لذلك سعى إلى بناء جامعة صنعاء بنفس الطريقة التي بنيت فيها كلية بلقيس في عدن، وهي الفكرة التي تكونت لديه أثناء توليه وزارة التربية عامي 1965م و1966م، فبدأ بجمع أموال من متبرعين في الداخل والخارج، كما اتصل بدول عربية للتبرع بأساتذة، "واستطاع قاسم غالب خلال سنة أن يجمع التبرعات إلى البنك، ولما قام انقلاب خمسة نوفمبر ونزح قاسم غالب من اليمن إلى القاهرة كانت كل الأموال التي جمعها لبناء جامعة صنعاء مرصودة في البنك اليمني للإنشاء والتعمير، على عكس بعض وزراء يومذاك الذين كانوا يجعلون الأرصدة بأسمائهم الشخصية". لقد تميز قاسم غالب عن زملائه يومذاك - والكلام للبردوني دائماً - لأنه كان أكبر من أن يستغل منصبه، ولتألق عفته في كل منصب رغم قدرته على الاختلاس والمغالطة، وعاش وهو وزير في بيوت الإيجار من قيام الثورة إلى رحيله عن صنعاء عام 1967م.


صيتُ طائر الأشذاء
ومن "ثوار في رحاب الله" محمد عبد الكريم الصباحي الذي كان يؤمن بقدرة العمل التوعوي على تثوير الشعب، وظل هذا دأبه عندما شغل مناصب مهمة قبل الثورة، حيث عين عام 1956م رقيباً على العمال اليمنيين الذين عملوا مع الصين في شق طريق صنعاء - الحديدة، وعندما عمل في مديرية الأشغال من عام 1961م إلى يوم الثورة 25 سبتمبر 1962م، ومن صبيحة الثورة إلى يوم شهادته في بيت مرَّان في أرحب منتصف عام 1963م" ولقد كان محمد الصباحي طرازاً ممتازاً من الثوار، فقد عمل رقيباً في شق طريق صنعاء - الحديدة وكان مجالاً للكسب ولم يكسب الصباحي لنفسه شيئاً، وبعد الثورة نال منصب وكيل وزارة، ثم انتقل إلى موقع القتال وكان يثري في هذا المكان مرتزقة الحرب غير أن الصباحي كان أعلى من هذا، فمات ولم يخلف بيتاً أو ثروة وإنما خلف قدوة حسنة وصيتاً طائر الأشذاء".

عبدالغني علي

ومن "ثوار في رحاب الله" عبد الغني علي وهو من أقدم الخريجين اليمنيين الذين عادوا إلى وطنهم لخدمته بإخلاص ونزاهة، وكان ينتقد بشدة الخريجين الذين أخذوا يتأففون من كل شيء في بلدهم المتخلف بدلاً من أن يبذلوا جهودهم للمساعدة في تقدمه، أولئك الذين "كانوا يجولون في الشوارع الجديدة سادين أنوفهم من غبار صنعاء، وغاضين أبصارهم عما يسمونها المناظر المؤذية، لهذا كان عبدالغني أسرع إلى رشق المتقززين من رؤية الوطن الذي عوّل على بنيه المتعلمين".

تولى عبد الغني علي وزارة الخزانة لمرات متعاقبة في حكومات الجمهورية ووزارة الاقتصاد والتموين ووزارة الإعلام وشئون الجنوب اليمني المحتل، ولم يكن راضياً عن سير الأمور وعن أداء الوزارات التي تولاها، البعيد عن طموحاته، "وكان يشعر بحرج ذلك الموقف، لأنه كان لا يعمل شيئاً في وزارة الخزانة إلاَّ صرف الأموال لقادة الحرب"، وبعد انقلاب 5 نوفمبر الذي وقع وهو خارج الوطن أشتم عبدالغني علي التغييرات السيئة فاختار البقاء بعيداً وكابد الغربة حتى وفاته في آخر السبعينات، "واليوم وقد انتقل عبدالغني علي إلى رحاب الله، من ذا يستطيع أن يقول هذه عمارة عبد الغني علي؟ أو هذه مزرعة عبد الغني علي؟ أو هذه أرصدة عبدالغني علي؟! لقد خرج من المناصب الوزارية نقياً كخروج الأمطار من ضمائر السحائب".

محمد مطهر

ومن "ثوار في رحاب الله" محمد مطهر زيد الذي اشتهر بوضع الخطط الحربية، والذي كان يفضل الميدان على المكتب كما فعل عندما ذهب إلى رازح عام 1964م وهو رئيس الأركان وقاتل مع القوات التي كان يقودها حسين الدفعي وزير الدفاع، وفي تلك المعركة، "معركة رازح الشهيرة، استشهد محمد مطهر كسائر الجنود، وهو رئيس أركان، وكان أيام رئاسته على الأركان يسكن منزلاً متواضعاً بقاع العلفي بلا حراسة، كما كان يتحرك إلى المواقع بلا حراسة".

إن شعباً لا يملك نماذج أخلاقية ملهمة في الإيثار الاجتماعي، وفي الإخلاص والنزاهة لهو شعب بائس، ولا يقل بؤسه في هذا المجال عن بؤسه المادي!
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "الأخبار والتقارير"

عناوين أخرى

الافتتاحية
التأسيس والمسؤولية التاريخية
بقلم / صادق بن امين أبو راس- رئيس المؤتمر الشعبي العام

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الحوار بين ضرورة النجاة وشعارات النخب
يحيى نوري

اليمن الذي كان لن يعود .. وكيف يعود؟
فيصل بن أمين أبو راس

أيُّ يمنٍ تريده السعودية؟
عقيل فاضل

إلى متى سنتقاتل؟!!
محمود ياسين

ثورة 26 سبتمبر.. أمانة الأجيال باليمن
عبدالسلام الدباء*

اليمن الكبير في وجه مشاريع التقزيم و الانحطاط والفشل
سعيد مسعود عوض الجريري*

مؤتمريات
د. أحمد ابراهيم القديمي

المؤتمر الشعبي العام..منارةُ بِناءِ الغد
أ/ عزيز القبيلي

شهادة الإرياني
يحيى العراسي

حين تعجز الرياض عن هزيمة اليمن فتستدعي المقدسات
محمد علي اللوزي

رد على مبادرة السَّفير فيصل أمين أبو راس
عبد الباري طاهر

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)