أنس عبدالمؤمن الخربي - مع كل ذكرى متجددة لثورة 26 سبتمبر 1962م الخالدة، نستحضر مشروعاً للتحرر والخلاص من قرون الاستبداد الإمامي.. ووسط هذا الضوء، ثمة ظلال قاتمة صنعها بعض الذين تقمصوا الثورية، وحوّلوها في بداياتها إلى منصة لتصفية حسابات سياسية وشخصية.
من بين ضحايا تلك المرحلة، يبرز اسم العميد الشهيد قاسم حسين الثور، ضابطاً جمهورياً سجن في عهد الإمامة بتهمة أنه "دستوري"، ثم أُعدم في عهد الجمهورية بتهمة أنه "ملكي"، وبين التهمتين، عاش الرجل مظلوماً مرتين، ليغدو رمزاً لما يمكن أن يحدث حين تتحول الثورة إلى أداة بأيدي المتعطشين للسلطة.
من الدستور إلى الثورة:
كان العميد قاسم الثور أحد الضباط الذين عايشوا أحداث ثورة 1948م الدستورية، التي لم يكتب لها النجاح وسقطت سريعاً، إلا أن تهمة "الدستورية" التصقت به، فتعرض للاعتقال، بل وهدم أحد أدوار منزله في صنعاء عقاباً على موقفه.
هذه المحنة لم تكن شخصية فقط، بل جزء من سياسات الأئمة في ملاحقة كل من تجرأ على المطالبة بدستور أو حكم مقيد.
وعندما اندلعت ثورة 26 سبتمبر 1962م الخالدة ضد حكم الإمامة، كان الأمل أن يجد أمثال قاسم الثور إنصافهم، لكن القدر كان له رأي آخر، بل كان يعد له مصيرا آخر أكثر قسوة.
مجزرة 12 يونيو 1963م:
الأربعاء 12 يونيو 1963م الموافق 19 محرم 1383هـ، وقعت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الجمهورية الوليدة، داخل مبنى وزارة الداخلية، نفذ المجرم هادي عيسى ورفاقه عملية إعدام بحق مجموعة من السجناء دون محاكمة أو تحقيق مكتمل، وكان من بين ضحايا تلك المجزرة:
- العميد قاسم حسين الثور
- القاضي حسين الويسي
- عبدالله الناشري (تاجر زبيب لا علاقة له بالسياسة لكن "قد اسمه جاء" كما قال الجلاد)
- محمد الغيل
- علي خليل
- محمد علي الشامي
- اثنان من أبناء مجفن (مقاوته باب السبح)..
لم يستثن من الغرفة سوى سعد الجعدبي، لأنه "بائع حلويات" ورأى المنفذون أنه لا يستحق الإعدام!
كان مشهداً عبثياً بامتياز، تصفي حياة رجال يمنيين دون محاكمات، وكأن الثورة التي بشرت بالحرية والعدالة، صارت تكرر ما كان يفعله نظام الأئمة، بل وبشكل أكثر فوضوية.
صرخة الإرياني والزبيري:
لم تمر الجريمة بصمت، فقد بعث الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني ومعه الشهيد محمد محمود الزبيري برقية احتجاج إلى الرئيس عبدالله السلال، الذي كان حينها في القاهرة.
نصّ البرقية – كما ورد في مذكرات الإرياني (الجزء الثاني، ص82) – جاء حاسماً:
"بالأمس كان إعدام تسعة من المساجين منهم قاسم الثور وحسين الويسي قبل المحاكمة وإكمال التحقيق، نائبكم يقول إنه لم يأمر بذلك ولا ندري من المسؤول عن ذلك.
نحن نسجل احتجاجنا على هذا العبث بالدماء والأرواح بدون وازع ونطالب بمحاكمة العابثين، فللحادث عواقب سيئة ولا يمكن أن نتحمل المسؤولية في هذه الأعمال، أنتم الذين وضعتم السلطة بيد من لا يقدر الأمور، المسؤولون أمام الله والتاريخ."
هذه الوثيقة التاريخية تؤكد أن ما جرى لم يكن خطأ فردياً، بل عبث دموي رفضه حتى أبرز رجال الثورة أنفسهم.
ثورة تأكل أبناءها:
قصة قاسم الثور تكشف مفارقة مرة:
- في عهد الإمامة سُجن لأنه "دستوري".
- في عهد الجمهورية أُعدم لأنه "ملكي".
بين التهمتين، يختفي المنطق وتظهر حقيقة أن بعض الثورات حين تسقط في أيدي مغامرين تتحول إلى أداة للقتل أكثر من كونها وسيلة للتحرر، بل إن عدد الجمهوريين الذين أُعدموا على أيدي جمهوريين، ربما يوازي أو يزيد على من قتلوا من الملكيين في الأسبوع الأول للثورة.
أبناء قاسم الثور: استمرار البناء رغم الجراح
لم تنطفئ سيرة قاسم الثور عند لحظة إعدامه، بل استمرت في أبنائه وبناته الذين انخرطوا في بناء الدولة اليمنية الحديثة، كل من موقعه:
- فاطمة: بكر أبيها، تزوجت من الثائر الجمهوري عبدالله الضبي.
- إسماعيل: الابن الأول، ووالد أمي، كان من مؤسسي البلديات في اليمن، وساهم في إرساء هذه المؤسسة التي مثلت قاعدة للحكم المحلي والخدمات العامة.
- آسيا: ملاك آل الثور كما أحب أن أسميها أنا، تزوجت من البطل الجمهوري يحيى مصلح مهدي.
- الدكتور محمد: أحد قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، وفاعل سياسي وفكري بارز، شارك في الحياة السياسية وأسهم في بلورة مواقف وطنية كبرى.
- المهندس عبدالملك: مهندس زراعي، تدرج في العمل الحكومي حتى أصبح وزيراً للزراعة، وبصماته لا يمكن لأحد أن ينكرها، فهو صاحب ثورة البن في اليمن ومؤسس عيده الوطني.
- البروفسور أمة الملك: عالمة ومؤرخة لها إسهامات في الدراسات التاريخية عن اليمن، واسمها حاضر بقوة في الوسط الأكاديمي.
بهذا، استمرت الأسرة في تكريس قيم الجمهورية الحقيقية، بناء المؤسسات، العمل الحزبي، البحث العلمي، والارتباط بالثوار، وكأن دم قاسم الثور لم يذهب هدرا، بل تحول إلى شجرة أنجبت رجالا ونساء وطنيين خدموا اليمن.
جلد القتلة لا الثورة:
إنصاف قاسم الثور لا يعني التشكيك في ثورة 26 سبتمبر الخالدة في الوجدان اليمني، ولا الطعن في مبادئها العظيمة، فالثورة هي ملك لكل اليمنيين، وهي التي أسقطت حكم الإمامة وأطلقت مشروع الحرية.. لكن واجب الإنصاف يقتضي الفصل بين الثورة كقيمة، وبين من لوثوها بجرائمهم.
من قتلوا قاسم الثور ورفاقه ليسوا الثوار، بل كانوا خصوما لقيم الثورة الحقيقية، لذا فإن واجب المؤرخين والباحثين اليوم أن يسموا الأشياء بأسمائها، فهؤلاء القتلة ارتكبوا جريمة سياسية وأخلاقية بحق الوطن والثورة، وقد تبرأ منها الثوار بل وأدانوها، وإسقاط هذه الجرائم من الذاكرة خيانة للضحايا وخيانة للتاريخ.
لم يكن العميد قاسم الثور عابرا في تاريخ اليمن، بل رمزا لمأساة جيل حلم بالحرية فوجد نفسه بين مطرقة الإمامة وسندان مغامري الثورة.
إنصافه اليوم لا يضيف شرفاً لعائلته فحسب، بل ينقذ ذاكرة سبتمبر من التزييف، فالعدالة التاريخية تقتضي أن نردد دائماً: "الثورة باقية، والقتلة إلى مزبلة التاريخ".
رحم الله قاسم الثور ورفاقه الشهداء، ورحم الله القاضي عبدالرحمن الإرياني ومحمد محمود الزبيري، وكل من حاول أن ينقذ الثورة من يد العابثين.
|