الدكتور أحمد إبراهيم القديمي - عندما نتطرق إلى إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة، فإننا نقصد ذلك النمط من المثقفين الذين قد تسقطهم "الثقافة العالية" في فخ الاستعلاء الفكري والنرجسية الذاتية؛ فيرى أحدهم نفسه فوق الجميع، وتأخذه العزة بالرأي إلى التمرد على المألوف، بل قد يصل به الأمر لدى البعض إلى الشطوط الفكري والانفصال عن الثوابت والدين.
إن هذا النموذج الشاطح من المثقفين يرى نفسه أرفع من السلطة والقوانين، فلا يكاد يلمس في واقع مجتمعه أو في أداء مؤسسات الدولة أي جانب إيجابي مهما كان واضحاً، بل يتفرغ لرصد السلبيات وتضخيمها، متخذاً من النقد السلبي والتمرد منهجاً دائماً، مما يجعله في النهاية طريداً ومنبوذاً من السلطة ومحيطه الاجتماعي.
هذا الفصيل من المثقفين لا يلتزم بالقوانين ولا يرعى الأعراف السائدة، وقد يمتد تمارُده ليصل إلى التطاول على القيم الروحية والإيمانية. وقد أتيحت لي فرصة المجالسة والاستماع لبعض هؤلاء أثناء دراستي الأكاديمية في العراق، فكان انطباعي الدائم أنهم يعيشون حالة متصلة من الاغتراب والتمرد والنقمة على كل ما حولهم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يجب أن تتعامل السلطة والدولة مع هذه الفئة؟
إن الحكمة السياسية والإدارية تقتضي ألا تدع الدولة هؤلاء للضياع، وألا تكتفي بإهمالهم أو مواجهتهم بالإقصاء والقسوة؛ بل الأجدر بها أن تتعامل مع حالة التمرد هذه بوصفها عَرَضاً لنوع من الاعتلال النفسي والاغتراب الفكري الذي يتطلب الرعاية والمعالجة السلوكية والاحتواء الحكيم. فالهدف هو إعادة دمجهم وتقويم أفكارهم، إذ قد تتضمن رؤاهم بعض النقاط الإيجابية والأفكار النافعة التي يمكن للدولة والمجتمع الاستفادة منها بعد تنقيتها من نزعات التمرد والشطط.
ويغدو هذا الاحتواء أكثر وجوباً وأهمية مع كبار السن منهم، فهم شريحة مجتمعية لها حقوق مكفولة على الدولة. إن الإهمال والتهميش خطأ استراتيجي، لا سيما في الدول التي تتخذ من التعددية السياسية والفكرية نهجاً لها؛ إذ إن واجب السلطة رعاية كافة أبناء الشعب والمثقفون في مقدمتهم. ففي كثير من الأحيان، يكون التمرد ردّ فعلٍ ناتجاً عن التهميش والإهمال وقلّة الاستيعاب.
وعلى الجانب الآخر، يحق لنا أن نفخر بأن المثقف في مجتمعنا يقدم أنموذجاً مختلفاً بفضل الله؛ فهو مثقفٌ متزن، غير متمرد ولا ملحد، يمتلك وعياً وطنيًا وإيمانياً أصيلاً.. وهذا النوع من المثقفين يُعدّ ثروة وطنية يسهم استمالتها واحتواؤها في فتح قنوات الحوار البنّاء، للاستفادة من طاقاتها ورؤاها ليكون المثقف عضواً فاعلاً ومؤثراً، يُؤثّر ويَتأثّر، ويضع علمه وقلمه في خدمة وطنه ومجتمعه.
|