محمد علي اللوزي - إن ما جرى في 19 أكتوبر من العام الجاري، وفق ما يتم تداوله من أنباء مؤكدة صدرت عن مواطنين من أبناء محافظتي (الدائر والعارضة) عن سيطرة القوات اليمنية على ثلاثة مراكز في الحد الجنوبي للسعودية، هي مركز السمنة ومركز ضهيان ومركز السلة، إلى جانب أسر جنود وضباط سعوديين، يطرح سؤالاً سياسياً وعسكرياً بالغ الأهمية: لماذا تصر الرياض على المضي في طريق الخسائر المتراكمة، وتكرر الخيارات التي لم تجلب لها سوى استنزاف قدراتها وإضعاف مكانتها، بدلاً من أن تتوقف لمراجعة حساباتها وتدرك أن استمرار الحرب قد يفضي إلى عواقب تتجاوز خسارة المواقع العسكرية والجنود، لتطال مستقبل النظام نفسه؟.. إن المشكلة التي تواجه القيادة السعودية ليست في نقص الإمكانات المالية أو التسليحية، ولا في امتلاك أحدث منظومات الطيران والدفاع، وإنما في الخلل الذي يحكم رؤيتها السياسية لطبيعة اليمن وشعبه، وفي الاعتقاد بأن القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والحصار تستطيع أن تفرض إرادة الرياض على بلد يرفض الخضوع للهيمنة الخارجية.. لقد أثبتت سنوات الحرب أن التفوق في السلاح لا يعني بالضرورة تحقيق النصر، وأن امتلاك الثروة لا يضمن إخضاع الشعوب، وأن الحسابات التي تتجاهل إرادة الخصم وقدرته على الصمود تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للهزيمة والاستنزاف.. وتكمن المفارقة في أن السعودية، التي دخلت الحرب وهي تراهن على حسم سريع يعيد تشكيل المشهد اليمني وفقاً لمصالحها، وجدت نفسها أمام حرب طويلة ومكلفة وورطة لا أول لها ولا آخر، تتجدد فيها المخاطر على حدودها الجنوبية، وتتزايد معها الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية. فبدلاً من أن تنتهي الحرب بتكريس النفوذ السعودي وفق حسابات النظام في المملكة ، تحولت إلى ملف مفتوح يستنزف الموارد ويضع مصداقية القرار العسكري والسياسي أمام اختبارات متكررة.. وكلما ابتعد الحسم عن متناول الرياض، ازدادت الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجية التي أوصلتها إلى هذا المأزق، لا إلى تكرارها تحت مسميات مختلفة.. ونحن نسأل هنا : ما الذي يدفع القيادة السعودية إلى الاستمرار في نهج لم يحقق أهدافه وإنما استنزف مقدرات المملكة ؟ هل هو الخوف من الاعتراف بالفشل، أم الرغبة في الحفاظ على صورة القوة الإقليمية التي لا تتراجع،؟! أم الاعتقاد بأن التراجع عن الحرب سيشكل هزيمة سياسية أمام الخصم؟؟!.. أياً تكن الأسباب، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأنظمة هو أن تجعل هيبتها الشكلية أهم من مصالح شعوبها وان تجعل من حاضرها الدموي سلماً لمستقبل معتم ، وأن تنظر إلى الاعتراف بأخطاء الماضي بوصفه ضعفاً، بينما يكون الإصرار عليها هو الضعف الحقيقي بعينه. فالدول لا تفقد مكانتها حين تراجع قراراتها، وإنما حين تصبح أسيرة لها، وتواصل دفع الأثمان لمجرد تجنب الاعتراف بأن الطريق الذي اختارته كان خاطئاً. إن الحدود الجنوبية للسعودية ليست مجرد خط جغرافي يمكن تأمينه بالقوات والتحصينات والطائرات، بل هي مساحة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ والمصالح والعلاقات الاجتماعية والسياسية.. وأي استراتيجية تتعامل مع اليمن باعتباره ساحة ينبغي إخضاعها، لا دولة ذات إرادة ومصالح وقرار مستقل، ستظل مغرضة للانتكاس مهما بلغت الإمكانات المستخدمة فيها.. فالأمن الحقيقي لا يصنعه إخضاع الجار ولا الاستعلاء والهيمنة، ولا يتحقق بفرض الوصاية على قراره الوطني، وإنما يقوم على احترام السيادة المتبادلة، وإنهاء أسباب الصراع، وإقامة علاقات قائمة على عدم التدخل والمصالح المشتركة.. وإذاً فإن أسر جنود وضباط سعوديين، لاينبغي أن يقتصر النظر على بعده الميداني، بل يستوجب قراءة أوسع لطبيعة الحرب ومآلاتها.. فخسارة موقع عسكري يمكن تعويضها، واستعادة منطقة ممكنة، لكن الخسائر السياسية والاستراتيجية تصبح أكثر خطورة عندما تتحول المواجهة إلى دائرة من التصعيد والردود المتبادلة.. عندها لا يعود السؤال من تقدم ومن تراجع في جولة بعينها، بل من يمتلك القدرة على إنهاء الحرب بشروط تحفظ مصالحه..
إن الأنظمة قد تدخل أزمات عميقة عندما تتراكم عليها الإخفاقات الخارجية، وتتزايد كلفة سياساتها، وتتسع الفجوة بين أهدافها المعلنة ونتائجها الفعلية. والخطر لا يكمن في هزيمة عسكرية منفردة بقدر ما يكمن في تحول الهزائم المتكررة إلى أزمة ثقة في القرار، وفي قدرة القيادة على حماية أمن البلاد وصيانة مصالحها.. ومن هنا فإن استمرار الحرب بنتائجها المعلنة اليوم ضربات موجعة وهزائم متعددة ق قد يفتح أبواباً من المخاطر لا يمكن التحكم في جميع نتائجها. إن الحكمة السياسية تقتضي من الرياض أن تدرك أن القوة ليست في مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية، ولا في إنكار الخسائر أو التقليل من شأنها، بل في امتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار الذي يوقف النزيف ويحفظ ما يمكن حفظه من المصالح. فبدلاً من البحث عن جولة جديدة تثبت فيها السعودية أنها قادرة على مواصلة القتال، ينبغي أن تبحث عن تسوية تنهي أسباب المواجهة، وتحترم استقلال اليمن وسيادته، وتضمن أمن الحدود للطرفين، وتفتح الطريق أمام علاقات طبيعية بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.. فهل آن للرياض أن تفهم أن اليمن ليس بلداً يمكن إخضاعه إلى الأبد، وأن إرادة الشعوب لا تقاس بحجم ترساناتها العسكرية، وأن الإصرار على إخضاع الجار قد يحول الحدود التي يفترض أن تكون جسراً للأمن والتعاون إلى مصدر دائم للقلق والاستنزاف. كما أن استمرار الحرب لن يمنح أي طرف ضمانة للنصر النهائي، بل قد يراكم خسائر الجميع، ويهيئ لمرحلة أشد اضطراباً إذا غابت الحكمة وغلبت حسابات المكابرة على منطق السياسة.. والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه القيادة السعودية اليوم ليس كيف ترد على كل خسارة عسكرية بخطوة تصعيدية جديدة، وإنما إلى متى ستظل تدفع ثمن حرب لم تحقق أهدافها وحشرتها في قضايا تكاد تهلكها، وما الذي تنتظره حتى تقتنع بأن مراجعة الموقف أصبحت ضرورة لا خياراً؟ فهل تنتظر الرياض أن تتسع دائرة المخاطر أكثر، وأن تصبح كلفة الاستمرار أعلى من قدرة السياسة على احتوائها، أم أنها ستستوعب دروس السنوات الماضية قبل فوات الأوان؟.. إن على السعودية أن تفهم جيداً، أن المكابرة والقمر لا تمنحها حصانة من نتائج قراراتها، ولا تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تعوض غياب الرؤية السياسية.. وقد يكون أخطر ما تواجهه القيادة السعودية هو أن تكتشف، بعد فوات الأوان، أن محاولتها فرض الإرادة على اليمن لم تضعف خصمها بالقدر الذي كانت تتوقعه، لكنها استنزفت مواردها وراكمت المخاطر على أمنها ومكانتها وجعلت من اليمن قوة شرق أوسطية لا يمكن تجاهلها.. ولذلك فإن طريق النجاة لا يبدأ بجولة عسكرية جديدة، بل بقرار شجاع ينهي الحرب، ويعيد تعريف العلاقة مع اليمن على أساس الندية واحترام السيادة وحسن الجوار.. فهل تتعلم الرياض من دروس الحرب، أم تواصل السير في طريق المكابرة حتى تصبح العواقب أكبر من أن تستطيع احتواءها؟
|