الميثاق نت -

الثلاثاء, 28-مايو-2019
فاطمة ابدار -
الصلاة مبدئيا… هي ممارسة طقوسية روحانية تحيل على علاقة قدسية بين العبد وخالقه، لا تشوبها شائبة ولا يجب أن تعكر صفوها وساطة أو تلوثها تجارة…

لكنها في نفس الآن، ممارسة للحرية المدنية، تحميها وتؤطرها قوانين ومؤسسات هي عنوان انتمائنا لهذا العصر.

فطالما لم تشكل هذه الحرية تهديدا وإعاقة لحرية الآخرين، بما يتنافى مع القوانين المنظمة للحريات العامة والحقوق، فهي تظل حقا من الحقوق الفردية والجماعية المقدسة ضمن مبدأ حرية المعتقد. هذه هي الديمقراطية…

ما هو مزعج، بل مرعب ومخيف، هو أن نخرج الدين من رحاب بيوت الله الآمنة إلى الساحات والحدائق والشوارع العامة، ونحوله من عامل سكينة روحية لعامة الناس، إلى عامل احتراب ومزايدات سياسية ودغدغة وتهييج للعواطف المنفلتة من عقالها!

ما هو مثير… هو محاولة البعض، لجم كل صوت، بما فيه صوت الإعلام والمثقفين عن تنوير الناس وتوضيح لبس العلاقة بين الديني والإيثيقي والسياسي في نازلة قطع الطريق لإقامة الصلاة !

يحدث ذلك… عندما نعمد إلى التجييش والرجم الإعلامي ضد صحافية، لمجرد أنها انتقدت مظاهر الفوضى الناجمة عن احتكار الفضاء العمومي، وتحويلها إلى كبش فداء، وشرعنة النبش في حياتها الشخصية وصورها لإعطاء مسوغ للقصف والرجم والتهم الجاهزة!!

فمن يوقف زحف التوحش والفوضى وهذا النمط من “البدونة” للدين والترييف للمدن والحواضر باسم المقدس ؟

قطع المصلين للطريق… لا يتعلق بمسألة إيمان وكفر كما يحلو للبعض أن يوهم الناس، بينما هو منخرط بكل ثقة وأمان، في تجديد “لابروموسيون بوليتيك ديال الحزب ديالو”، بل هو في العمق، قضية أخلاق وتحضر ودمقرطة استعمال الفضاء العمومي، بما يتلاءم وحرية الآخرين و”الغير”… ذلك المفهوم الغائب والمفتقد في ثقافتنا وسلوكنا اليومي…

فماهي الحدود الفاصلة بين الحريات عندما يتعلق الأمر بالفضاء العمومي…؟؟

متى ينتهي الديني ويبدأ الأخلاقي /الإيتيقي؟ متى ينتهي الذاتي ويبدأ المشترك والموضوعي؟

يحدث ذلك الخلط في صور متعددة في يومياتنا المعتادة…

يحدث… عندما يغرق الباعة المتجولون الطرقات والأزقة ويعملون على قطع الطريق بالسلع وعرقلة السير ونشر الأزبال والقاذورات وبقايا الاسماك والخضر وترك مخلفاتها المتعفنة قرب مساكن الآخرين بدون حرج…

يحدث… عندما تزحف المقاهي على الأرصفة وتعتدي على حق الراجلين وسلامتهم الطرقية أثناء المرور…

يحدث… عندما يترك المصلون آلاف المساجد فارغة في أحيائهم، ويلتحقون جماعة بالشوارع المزدحمة أصلا، للصلاة إلى جانب زعيم سياسي أو للاستعراض الفولكلوري !

يحدث ذلك… عندما نعمد إلى التجييش والرجم الإعلامي ضد صحافية، لمجرد أنها انتقدت مظاهر الفوضى الناجمة عن احتكار الفضاء العمومي، وتحويلها إلى كبش فداء، وشرعنة النبش في حياتها الشخصية وصورها لإعطاء مسوغ للقصف والرجم والتهم الجاهزة!!

… بهذه الثقافة الداعشية القروسطية، وبهذه الممارسات البعيدة عن كل حس سليم، نكون قد انتهينا من دين العبادة المسالم، ودخلنا في التنمر السياسي بالدين !

هي في النهاية، مظاهر وسلوكيات أصبحت تغزو فضاءاتنا، وتظهر بجلاء أننا نعيش أزمة أخلاق كبرى لا تحجبها هستيريا الإقبال على التدين الشكلي المظهري المنافق، المنتشر في المجتمع !

بينما الدين لله والوطن للجميع…

هي في النهاية، مظاهر وسلوكيات أصبحت تغزو فضاءاتنا، وتظهر بجلاء أننا نعيش أزمة أخلاق كبرى لا تحجبها هستيريا الإقبال على التدين الشكلي المظهري المنافق، المنتشر في المجتمع

فالدين… وسمو وظيفته، وهي الرقي بالجانب الروحي الوجداني والأخلاقي للمسلم وحثه على الاشتغال على ذاته بكل تواضع ليكون جديرا بالانتماء لمجتمع اليوم، ينتهي عندما تبدأ همجية سؤال السياسي والانشغال ب “كم نحن هنا ؟”، لرفع أسهم هذا الحزب أو ذاك في برصة السياسة، خارج كل منافسة حرة، لأن هناك جماعة تريد أن تبتلع اليابس والأخضر بدون وجه حق!

هنا يتم وأد قدسية وحيادية الدين وسموه بخبث سكين السياسة والسياسيين، ذلك السلاح الآثم العابر للتاريخ…

السلاح اللاأخلاقي الذي قتل به بن المقفع والطبري والحلاج و غيرهم… والذي نكل باسمه، بكل معارض أو مخالف سياسي…

سلاح التنمر والاستقواء بالمقدس، الذي يسمح للبعض أن يتعالى على الآخرين… وألا يتواضع بإيمانه.

أما آن الأوان… أن ننهي هذه اللعبة القروسطية السخيفة التي تنتمي إلى براديغم سياسي واجتماعي قروسطي، لا تليق بتطلعاتنا نحو مجتمع ديمقراطي حداثي؟

هنا يتم وأد قدسية وحيادية الدين وسموه بخبث سكين السياسة والسياسيين، ذلك السلاح الآثم العابر للتاريخ … سلاح التنمر والاستقواء بالمقدس، الذي يسمح للبعض أن يتعالى على الآخرين… وألا يتواضع بإيمانه.

كيف سنسوق صورة إيجابية عن بلد، تعتبر السياحة من أهم عناصر اقتصاده، حينما نترك العناية بالفضاء العمومي، عنوان تحضرنا، ونهمل الاعتناء بمدننا وأحيائنا وبالحدائق والأزهار والأصص ونقاء الأوكسجين ولطافة السلوك ورقيه، بلمسة الفن على جدران مدننا، بالحمام الزاجل في الساحات، بالموسيقى… بثقافة الصف أمام الشبابيك والمرافق الإدارية، في الملاعب وفي الأسواق… أو في الساحات والشوارع النظيفة؟

إلى متى كل هذه الفوضى والقرف؟!

إذا كان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عباده… فهو حتما يحب أن يرى أثر الإيمان به في سلوكهم.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 25-يونيو-2019 الساعة: 08:31 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-55888.htm