الميثاق نت -

الإثنين, 25-مارس-2024
السيد شبل -
لا يرصد أحد في الإعلام العربي حجم تأثر الرأي العام داخل "إسرائيل" بارتفاع مساحة الرفض العالمي لممارسات "جيش" الاحتلال الهمجية داخل قطاع غزة.. فالمجتمع الإسرائيلي اليوم بات يستعيد مشاعر العزلة التي اختبرها أجدادهم في أوروبا قديماً، وإن بطريقة مغايرة..

فالمؤكَّد أنه لا يوجد في عالم اليوم من يبني موقفه الرافض "إسرائيل" على أساس عنصري أو ديني، بل بات يهود الكيان هم الأطراف المدانة بممارسة العنصرية بحق أصحاب الأرض من العرب الفلسطينيين، وهم الذين يرسمون كل مناحي سياساتهم الداخلية والخارجية بتوجيه من الأصوليين وذوي الأفكار الحجرية، والتي يفترض أن تخطاها البشر بفعل الحداثة..

اليوم، يتخذ العالم، في كل ألوانه ومذاهبه، مواقف رافضة للعدوان الصهيوني المستمر على أهالي غزة، والذي حصد حتى الآن أرواح أكثر من 31 ألف إنسان، أغلبيتهم من النساء والأطفال الأبرياء.. واللافت أنه رغم هذا الكم الهائل من الضحايا، فإن حكومة الاحتلال عجزت عن تحقيق أهدافها..

ليس من المنطقي أن يُساوي أحد بين معدّل الرفض الشعبي ذي الطابع الأممي لـ"إسرائيل"، هذه المرة، وبين معدّلات الرفض التي صاحبت أي عدوان سابق.. فالحدث الفلسطيني اليوم يحتل الصدارة في العالم الغربي ذاته، ويستحث المواطن الأوروبي المنهمك في دوامة الحياة الرأسمالية ليهبط إلى الشارع، رافعاً لافتة تشير إلى تطابق صهيونية نتنياهو ونازيّة أدولف هتلر..

بمعنى آخر، لم يعد الاهتمام بالقضية الفلسطينية ومآسي أهلها مقتصراً على الناشطين الحقوقيين أو الجمعيات التي تأسست بفضل المهاجرين من الدول الإسلامية، بل امتد الاهتمام إلى الأُسر الغربية العادية، والتي بدأت تكتشف رويداً رويداً حجم التزييف الإعلامي الذي رافق "إسرائيل" منذ "تأسيسها"، ليحتفظ لها بصورة الضحية، بينما هي الطرف المجرم.


*جَلْد "الذات الإسرائيلية"

بعد مرور أكثر من 160 يوماً على بداية العدوان، نشر الكاتب الإسرائيلي المحسوب على اليسار، جدعون ليفي، مقالاً طرح فيه عدداً من الأسئلة ينبغي لكل إسرائيلي، وفقاً للمقال، أن يطرحها على نفسه:

"هل إسرائيل اليوم أفضل مما كانت عليه في السادس من أكتوبر 2023؟ هل هي أقوى؟ أكثر أماناً؟ لديها ردع أكبر؟ أكثر شعبية؟ فخورة بأفعالها؟ هل المجتمع أكثر اتحاداً؟ أفضل بأي شكل من الأشكال؟"..

وكانت إجابات ليفي عن كل الأسئلة التي طرحها، هي: "لا، بصورة قاطعة"..

الحديث داخل "إسرائيل" عن تراجع منسوب الثقة بأداء الحكومة وممارسات "الجيش"، بات أمراً شائعاً، ولم يعد مقتصراً على الأوساط السياسية المعادية لليمين، الذي يمثله بن غفير وسموتريتش، وصارت عين الإسرائيلي العادي ترصد التفاعلات التي تجري خارج كيانه. وبالتالي، صار واعياً أن المجازر التي تحدث اليوم لم يعد في إمكان ضمير العالم ابتلاعها أو غض الطرف عنها..

حتى اليوم، تكون آلة الدمار الإسرائيلية حصدت أرواح أكثر من 11500 طفل.. ورغم هذا فإن قوات الاحتلال مستمرة في الحصول على الأسلحة من حلفائها، في حين لا يتوافر سوى قدر ضئيل للغاية من المعونات الغذائية لنحو مليوني فلسطيني محاصرين في جحيم لم يكن حتى الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري ليتخيله..

لا يمكن إخفاء أن "إسرائيل" حظيت، في بداية الصراع، بدعم دولي واسع النطاق، لكن هذا الدعم تأكَّل سريعاً لأن معظم العالم بات يرى أن ما يحدث في غزة بمنزلة كابوس إنساني، ولا يمكن للبشرية، في ظل التطور الهائل الذي لحق بوسائل الإعلام، أن تُصاب بالعمى الأخلاقي إلى الحد الذي يجعلها تنكر المأساة الإنسانية التي تتمثّل كل ساعة في قطاع غزة..

ارتدادات الصدع الذي أصاب نظرة العالم الغربي إلى "إسرائيل" ستظهر داخل الكيان ذاته مع الوقت، وخصوصاً في ظل حالة الانقسام التي باتت تتفشى بسبب الضغوط التي تمارسها العائلات الإسرائيلية لوقف الحرب واسترداد الأسرى، في مقابل اليمين المتطرف المتشبث بخيار مواصلة العدوان ورفض أي صفقة مع حركة حماس تتضمن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين.


*خيارات نتنياهو الضيقة

تظهر سياسة بنيامين نتنياهو لمن يراقبها، منذ عملية "طوفان الأقصى" حتى اليوم، أقرب إلى أداء الثور الذي ينتحر ببطء عبر ضرب رأسه بحائط خرساني، ظناً منه أنه قادر على تحطيم الحائط قبل أن تسيل من رأسه آخر قطرة دماء..

في بداية العدوان، أعلن نتنياهو نيته القضاء على حركة حماس ومعها كل فصائل المقاومة بصورة كاملة.. حتى اليوم، ورغم هذا الكم الهائل من الجرائم وقصف المنازل والمستشفيات والمساجد، فإنه يعجز عن تحقيق نصر يمكن أن يُمسكه بيديه ويشهره أمام الرأي العام الإسرائيلي الحانق، بل على العكس، حصل نتنياهو على إدانة متزايدة لسياساته ومطالبات واسعة النطاق ومتجددة بـ"حل الدولتين"..

وهو الأمر الذي دفع صحافياً أمريكياً بارزاً، مثل توماس فريدمان، إلى مطالبة واشنطن و"تل أبيب" بإعادة تقدير حجم الغضب الذي يتصاعد في جميع أنحاء العالم، والذي تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي واللقطات التلفزيونية..

ورغم أن فريدمان ليس محسوباً، في أي حال، حليفاً لفلسطين وقضيتها، فإنه بات يرى ضِيقَ خيارات نتنياهو، وأن على الرئيس الأميركي جو بايدن اتخاذ موقف صارم بشأن دعم نتنياهو، وحثّه على إدراك استحالة تحقيق الهدف المتمثل بـ"إبادة حماس"..

الأزمة أمام "إسرائيل" اليوم أنها ارتكبت كل الجرائم الممكنة في غزة، ورغم ذلك فإنها لم تشعر بأنها استردت هيبتها التي ضاعت بفضل عملية السابع من أكتوبر، كما أنها لم تعد قادرة على مواصلة الحرب بسبب الضغوط الدولية والأوضاع الاقتصادية المتراجعة، ولا هي تستطيع في الآن ذاته إيقافها بسبب ضغوط اليمين..

حتى نتنياهو، الذي كان يراهن على أن تجلب له الحرب أصوات الناخبين، بات يشك في ذلك، في ظل استحواذ المعارضة على قطاع كبير من الشارع الإسرائيلي، واتهاماتها المتتالية لنتنياهو بأنه يضع أولوية حاجاته الانتخابية فوق مصلحة الإسرائيليين..

يمكن لحكومة الاحتلال أن تواصل سخريتها من الإدانات الدولية، ويمكن لبن غفير أن يذهب بعيداً إلى حدّ مناطحة جو بايدن، واتهامه بأنه لا يقدّم الدعم الكافي إلى "إسرائيل" في مقابل "تقديم المساعدات الإنسانية إلى حركة حماس داخل غزة"! ويمكن لنجل بن غفير أن يطوّر مساحة التلاسن إلى معايرة بايدن بإصابته بمرض الزهايمر..

لكن الواقع يؤكد أن كل تأخّر في التوصّل إلى اتفاق ينصاع لشروط المقاومة بشأن وقف العدوان والانسحاب من القطاع والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، سيؤدي إلى ارتفاع سقف مطالب المقاومة، لا العكس، وسيُحشر نتنياهو في الزاوية، وسيفقد أي وسيلة للضغط على المقاومة، بعد أن أفرط في استهداف المدنيين بالطريقة التي جلبت عليه سخط حلفائه أنفسهم.


*رغم جسامة التضحيات.. فلسطين تسترد عافيتها


رغم سقوط آلاف الشهداء خلال الشهور الفائتة، وعلى رغم تفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين داخل قطاع غزة، فإن القضية الفلسطينية اكتسبت زخماً غير مسبوق في العقود الأخيرة، الأمر الذي دفعها إلى احتلال المرتبة الأولى في كل التغطيات الإخبارية، إقليمياً ودولياً..

الأهم من الاهتمام الدولي بفلسطين وأهلها أن القضية استعادت تعريفها الأصلي كقضية نضال وتحرير تخص شعباً فقدَ أرضه، وبالتالي مصيره، ويعود الفضل إلى عمليات المقاومة المستمرة والمتصاعدة على رغم العدوان الإسرائيلي، الذي يمكن وصفه بأنه الأعنف تاريخياً.

انهيار مشاريع التهجير القسري إلى دول جارة لفلسطين، أو الطوعي إلى أماكن أخرى حول العالم، من خلال تقديم حوافز مالية، أصاب المتطرفين الإسرائيليين في مقتل، وأثبت من جديد أن ثمة شعباً في هذه الأرض العربية لا يقبل مقايضة حقه في إرث أجداده في مقابل معيشة آمنة مشكوك فيها..

اللافت أيضاً، في هذا السياق، أن المقاومة أثبتت أنها الضامن الوحيد للوصول إلى سلام جاد، وأنها القوة التي تتمكن عملياً من ردع "إسرائيل" ومنعها من استباحة مزيد من الأراضي.. ولولا عز الدين القسام وسرايا القدس لكان الاحتلال يتوسع في بناء المنازل الاستيطانية في غزة، كما يحدث اليوم في الضفة، بعد إعلان مخطط بناء 3476 منزلاً استيطانياً إضافياً في "معاليه أدوميم" و"إفرات" و"كيدار"..

وهو السلوك التوسعي الذي أثار استياء الأمم المتحدة، ودفع مفوّضها السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى التعبير عن أسفه، لافتاً إلى إن "إسرائيل" تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة من خلال "نقل السكان المدنيين الإسرائيليين بصورة فعالة إلى الأراضي المحتلة، مع تهجير السكان الفلسطينيين من أراضيهم"..

لكنْ، في المقابل، ما الذي تبدَّل على الأرض بسبب "أسف" تورك؟ الإجابة: لا شيء..
الواقع، بناءً على التجارب القاسية التي عانتها شعوب الجنوب، يؤكد للجميع أن لا خيار سوى المقاومة، لأن هذا وحده كفيل بتغيير مجريات التاريخ لتكون في مصلحة القضية التي تتبناها، وأي خيار سوى ذلك لا يعني سوى البكاء في الزاوية حتى الموت والفناء.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 14-يونيو-2024 الساعة: 06:49 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-65785.htm