الميثاق نت -

الإثنين, 15-ديسمبر-2025
د. عبدالعزيز البكير -
موقفي مما يجري في اليمن اليوم، أن ما تشهده المحافظات الشرقية من اليمن وتحديدًا حضرموت والمهرة من صراعٍ مسلح ترعاه دول العدوان منذ أكثر من أحد عشر عامًا، ليس إلا امتدادًا واضحًا لمشروع احتلال يسعى لإعادة تمزيق اليمن، وتفتيت جغرافيته، وتقويض وحدته الوطنية وسيادته واستقلاله.. وما يجري يمثّل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي، خصوصًا تلك المتعلقة بحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سلامة أراضيها.
أولًا: الانتهاكات الصريحة لميثاق الأمم المتحدة
تنص المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على مبادئ أساسية لا يجوز خرقها:
الفقرة (1): المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء بما فيها الجمهورية اليمنية.
الفقرة (4): حظر التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
الفقرة (7): منع تدخل أي دولة أو منظمة في الشؤون الداخلية للدول المستقلة.
إن تمويل وتسليح ودعم الفصائل المسلحة، وإنشاء كيانات موازية للدولة، كلها أعمال تُعد انتهاكًا مباشرًا لهذه المواد، وتشـكّل عملًا عدوانيًا وفق أحكام القانون الدولي..
ثانيًا: مسؤولية مجلس الأمن وفق الفصل السابع
وُضع اليمن تحت الفصل السابع بقرارات منها القرار 2216 (2015م)، وكان ذلك يفترض حماية اليمن ومنع التدخلات الخارجية.. إلا أن ما حدث هو العكس تمامًا:
المادة 39: تُلزم مجلس الأمن بتحديد أي عمل عدوان واتخاذ ما يلزم لوقفه.
المادة 41: تمنع دعم وتسليح الفصائل خارج سلطة الدولة.
المادة 42: تجيز اتخاذ إجراءات ضد الدول المعتدية أو الجهات المسلحة التي تهدد الأمن والاستقرار..
وبناءً على ذلك، كان يجب على مجلس الأمن فرض إجراءات قسرية ضد الدول التي تتدخل في اليمن، لا أن يتركها تعبث بالجغرافيا والسيادة وتفرض كانتونات عسكرية وسياسية تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
ثالثًا: وحدة أراضي اليمن مبدأ غير قابل للتفاوض
يحظر القانون الدولي تقسيم الدول بقوة السلاح أو تحت الاحتلال، وفق:
▪︎المادة 2(4) من الميثاق
▪︎إعلان عدم جواز التدخل 1965
▪︎إعلان مبادئ القانون الدولي 1970
▪︎السوابق القضائية لمحكمة العدل الدولية (ناميبيا – كوسوفو)
وعليه، فإن مشروع تقسيم اليمن والذي ظهر جليًا في ما جرى خلال الأيام الماضية في حضرموت والمهرة وغيرها من المحافظات المتحلة، والذي تم التمهيد له مسبقًا عبر صناعة كيانات موازية وإعادة رسم واقع جغرافي وديموغرافي مصطنع، هو عمل غير شرعي ويُعد اعتداءً على دولة عضو في الأمم المتحدة..
رابعًا: الانتهاكات الإنسانية كجرائم حرب
ما يجري في اليمن من حصار وتجويع واستهداف للبنية التحتية يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق:
▪︎اتفاقيات جنيف الأربع (1949)
▪︎البروتوكول الإضافي الأول (1977)
▪︎المواد 54 و55 المتعلقة بحماية المدنيين
▪︎نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
▪︎قرار مجلس الأمن 2417 (2018م) بشأن تجريم التجويع
إن تدمير المستشفيات والمدارس، واستهداف الكهرباء والمياه، وضرب ميناء الحديدة ومطاري صنعاء والحديدة، والحصار الاقتصادي لليمن والذي أدى لأسوأ أزمة إنسانية في العالم، كلها جرائم موثقة تُشكل جزءًا من المشروع الخارجي لإخضاع الشعب اليمني وإجباره على القبول بالاحتلال والتقسيم..
خامسًا: حقيقة الصراع – ليس صراعًا داخليًا
إن جوهر الأزمة اليمنية ليس خلافًا داخليًا، بل هو صراع نفوذ إقليمي ودولي:
▪︎دول تتنافس على الجغرافيا والثروة اليمنية.
▪︎فصائل وكيانات مسلحة تُدار بالكامل من الخارج.
▪︎محاولات مكشوفة للسيطرة على النفط والغاز والموانئ والجزر.
▪︎هندسة واقع سياسي مزيف عبر ما يُسمى “مجلس القيادة الرئاسي” والكيانات المنضوية في إطاره.
وبالتالي، فإن ما يحدث لا يمتّ إلى الحل السياسي بأي صلة ولا يعبر عن الإرادة الشعبية اليمنية.
سادسًا: واجب الأمم المتحدة ومجلس الأمن
وفقًا للمادة 24 من الميثاق، مجلس الأمن مسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ووفق المادة 25 فهو مُلزم بتنفيذ واجباته دون تحيز، بينما تؤكد المادة 1(2) حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وعليه، فإن واجب المجلس اليوم يتمثل في:
1- إدانة التدخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية الخارجية في اليمن.
2- منع تسليح ودعم الفصائل الخارجة عن سلطة الدولة.
3- رفض أي مشروع لتغيير الحدود أو تقسيم اليمن بالقوة.
4- ضمان استعادة السيادة اليمنية على أراضيها وثرواتها.
إن الصمت الدولي أصبح إخلالًا قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا تجاه دولة عضو في الأمم المتحدة.
سابعًا: عبث التحالف الإقليمي بمسار الحل السياسي
لقد جرى استخدام القرارات الدولية كغطاء لفرض مسارات سياسية مشوهة لا علاقة لها بالإرادة الوطنية، وتم إنتاج “شرعيات مصنعة” لا تستند إلى الدستور اليمني، ما أدى إلى تعطيل الحوار اليمني–اليمني الحقيقي وإطالة أمد الحرب.
ثامنًا: العبث بالتركيبة الاجتماعية والديموغرافية
تتم عمليات منظمة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في المحافظات المحتلة، بما يخالف المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وإعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية، في مسعى لفرض واقع غريب على الجغرافيا اليمنية.
تاسعًا: الأطماع الاقتصادية والنهب المنهجي للثروات
تم تهريب النفط والغاز من حقول شبوة وحضرموت خارج إطار مؤسسات الدولة، في مخالفة لاتفاقية قانون البحار، وللمادة 2(1) من الميثاق.
إن نهب الثروات اليمنية يحرم الدولة من مصادر دخلها ويضاعف المعاناة الإنسانية.

عاشرًا: عسكرة الحياة المدنية وتفتيت النسيج الاجتماعي
إن نشر الميليشيات متعددة الولاءات أدى إلى انهيار الأمن المجتمعي وانتشار الجريمة، في مخالفة للمادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنع القوة المحتلة من فرض أنظمة حكم موازية.
حادى عشر: استهداف التعليم والثقافة
تعرض التعليم لتدمير واسع، ما يخالف المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. الهدف هو تجهيل المجتمع وإضعاف قدرته على مواجهة مشاريع الاحتلال.
ثاني عشر: صنع خطاب تضليلي وتشويه الوعي
تستخدم دول العدوان الإعلام لفرض رواية تخفي حقيقة الصراع وتُظهره كصراع داخلي، في مخالفة لحق الشعوب في الوصول إلى المعلومات (المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية).
ثالث عشر: اليمن جزء من الأمن الدولي
إن المساس بوحدة اليمن يهدد:
▪︎أمن البحر الأحمر
▪︎استقرار الخليج
▪︎حركة الملاحة الدولية
▪︎إمدادات الطاقة العالمية
ما يجعل حماية اليمن جزءًا من مسؤولية المجتمع الدولي ككل.
رغم كل ما سبق، أثبت الشعب اليمني أنه:
▪︎لن يقبل بالتقسيم أو الاحتلال
▪︎متمسك بوحدته وهويته
▪︎قادر على مقاومة كل المشاريع الخارجية
▪︎متمسك بحقه المشروع في تقرير مصيره وفق المادة 1(2) من ميثاق الأمم المتحدة
ختامًا نقول: إن ما يجري في حضرموت والمهرة منذُ أسبوع، وفي اليمن ككُل منذُ 11 عام ليس خلافًا داخليًا، بل تنفيذ عملي لمشروع تقسيم اليمن، والشعب اليمني لن يقبل به مهما طال الزمن.. وانطلاقًا من المبادئ الملزمة في ميثاق الأمم المتحدة، ومن مسئوليات مجلس الأمن وفق الفصلين السادس والسابع، ومن حق الشعب اليمني غير القابل للتصرف في السيادة وتقرير المصير، فإن الجمهورية اليمنية – شعبًا وأرضًا ودولة – تطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ موقف واضح وصريح يعالج أصل الأزمة، وليس نتائجها فقط..
وعليه، نطالب بما يلي:
▪︎إعادة الوضع القانوني والسياسي لليمن كما كان عليه قبل عدوان عام 2015م، بما يشمل وحدة الدولة، مؤسساتها، حدودها، سيادتها، وحقها الحصري في إدارة أراضيها وثرواتها دون أي تدخُّل خارجي..
▪︎إلغاء كل الآثار غير الشرعية التي ترتَّبت على التدخُّل العسكري في اليمن، بما في ذلك الكيانات الموازية، الفصائل المسلحة المدعومة خارجيًا، التشكيلات الأمنية غير الوطنية، وكل ما نتج عن الاحتلال الفعلي لأجزاء من الأراضي اليمنية..
▪︎الاعتراف بحق اليمن الكامل في استعادة سيطرته على موانئه وجزره وممراته البحرية، وبالأخص الموانئ في المحافظات الشرقية والجزر الاستراتيجية التي تم استخدامها لأغراض عسكرية أو استخباراتية خارج إطار الدولة اليمنية..
▪︎إلزام الدول المتدخّلة في اليمن بوقف فوري وغير مشروط لكل أشكال التمويل والتسليح والتدريب للفصائل المسلحة، باعتبار ذلك خرقًا واضحًا للمادتين
(42) و (41) من الميثاق..
▪︎إعادة إطلاق عملية سياسية يمنية – يمنية خالصة، لا تخضع للإملاءات الخارجية، ولا تقوم على مخرجات فرضتها ظروف العدوان، تُتيح لليمنيين تقرير مستقبلهم بحرية كاملة انسجامًا مع ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة..
▪︎تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات والجرائم التي تَـعرَّض لها الشعب اليمني منذ عام 2015م، وضمان عدم إفلات أي جهة مسئولة من المساءلة، وإنصاف الضحايا وتعويضهم..
▪︎رفع الحصار الاقتصادي والإنساني بشكل كامل، وفتح المطارات والموانئ والطرق، باعتبار الحصار شكلًا من أشكال العقاب الجماعي والجرائم المحظورة دوليًا..
إن اليمن لا يطلب امتيازًا ولا يستجدي موقفًا، بل يطالب بحقه القانوني المعترَف به دوليًا، وباحترام الميثاق الذي تأسست عليه الأمم المتحدة.. واليمن دولة عضو تستحق الحماية، لا الإهمال؛ والعدالة، لا الكيل بمكيالين.. إعادة اليمن إلى وضعه الطبيعي قبل عام 2015م ليست مِنّة من أحد، بل التزاماً قانونياً وأخلاقياً وسياسياً يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وعلى مجلس الأمن بوجه خاص، وفق ما خُوّل به من صلاحيات ومسئوليات.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68217.htm