عبدالسلام الدباء* - هل يمكن لبلدٍ وُلد من رحم التاريخ، وامتد بجذوره من البحر إلى الجبل، أن يُختزل في نزوة سياسية أو شعار وقتي؟.. سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً واسعاً لفهم سرٍّ ظلّ عصيّاً على الكسر: لماذا تبقى الوحدة اليمنية ثابتة، بينما يظلّ الانفصال أبعد من عين الشمس؟..
منذ إعلان وحدة اليمن في 22 مايو 1990م، لم تكن اليمن أمام مجرد قرار إداري أو تفاهم سياسي عابر، بل أمام حدث تاريخي مؤسَّسي حمل طابع الاتحاد الاندماجي الكامل؛ حيث ذابت فيه الشخصيتان القانونيتان للدولتين السابقتين (الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) في كيان واحد هو: (الجمهورية اليمنية).. ومنذ ذلك اليوم فقد أصبحت هذه الدولة الوليدة، دولة ذات مقعد واحد وصوت واحد وسيادة واحدة.. وهذا الاندماج المسجَّل رسميّاً لدى الأمم المتحدة جعل الوحدة اتفاقاً دولياً مُلزماً، وليس مجرد شأن داخلي يمكن التراجع عنه بقرار أحادي أو حركة تمرُّد..
ولم يكن الاعتراف الدولي أمراً شكلياً، بل حجر الزاوية في تحصين اليمن الموحَّد.. فقد قبل العالم – بلا استثناء – الجمهورية اليمنية كدولة واحدة ذات حدود ثابتة وسيادة معترَف بها، وكـرَّست الأمم المتحدة هذا الاعتراف في مقعد اليمن وفي قرارات مجلس الأمن التي شددت، منذ 2015م وحتى اليوم، على وحدة البلاد وسلامة أراضيها.. ومَنْ يعرف القانون الدولي يدرك أن مبدأ “وحدة أراضي الدول” ليس نصاً فضفاضاً، بل قاعدة حديدية تمنع أي تغيير للحدود بالقوة أو بانفصال أحادي الجانب إلا في حالات استثنائية لا تنطبق على اليمن..
هنا يصبح السؤال الحاسم: لماذا يتعامل العالم بشأن وحدة اليمن بهذه الصرامة؟ ..
الجواب يتجاوز اليمن إلى معادلة دولية ثابتة، وهي: أن القبول بأي إنفصال أحادي يعني فتح الأبواب لعشرات من النزعات الانفصالية حول العالم.. لذلك لم تعترف أي دولة بانفصال كتالونيا، ولم تدعم استفتاء كردستان العراق، بينما قَـبِـلَ المجتمع الدولي بانفصال جنوب السودان لأنه تم بموافقة الدولة الأم وبإشراف أممي كامل..
وبالعودة إلى اليمن، فالقانون الدولي، والتجربة التاريخية، ومواقف المجتمع الدولي، كلّها تقرر حقيقة واحدة: أن الانفصال الأحادي غير قانوني، وغير قابل للتحقُّق، وغير معترَف به أصلاً..
لكن القصة لا تتوقف عند القانون فقط؛ فالدولة اليمنية أصبحت حقيقة متجذّرة في مؤسساتها، وتشريعاتها، وجيشها، وبنكها المركزي، واتفاقاتها الدولية، وترسيم حدودها مع السعودية وعُمان وإريتريا، ومشاريعها الاقتصادية التي تمتد من صعدة إلى المهرة.. كل ذلك يجعل من فكرة “عودة التشطير” مشروعاً مستحيلاً، لا قانونياً فحسب، بل إدارياً وجغرافياً واقتصادياً وأمنياً..
فالانفصال – كما يوضحه القانونيون والخُبراء – ليس قراراً سياسياً يُعلَن مِن على منصة، ولا عَلَماً يُرفَع في ميدان، بل أكبر عملية هندسية سياسية وقانونية واقتصادية وأمنية يمكن أن يخوضها بلدٌ ما.. وهذا يعني أن العملية طويلة المدى، وتحتاج إلى تقسيم الثروات، وترسيم الحدود، وفصل الجيوش، وحماية حقوق المواطنين، وحل الديون الدولية، وتنظيم العملات، وفصل المؤسسات، وحلحلة الملفات الأمنية الإقليمية، والاستفتاء الشعبي.. وكل بند من هذه البنود وحده قد يستغرق سنوات من المفاوضات الشاقة، وتحت إشراف أممي صارم، وبتوافق كامل بين الشمال والجنوب، وبدعم دولي لا لَـبْسَ فيه.. فكيف الحال حين تكون عاصمة الدولة لا تقبل بالانفصال ، وأن البلاد كلها لا تزال في حالة حرب؟
لهذا لا عجب أن يعتبر المختصون أن الحديث عن الانفصال اليوم مجرد وهْمٍ سياسي لا يستند إلى أي قاعدة واقعية أو قانونية..
أمام هذه الحقائق، يبرز خيار اليمن الاتحادي والدولة الفيدرالية بوصفه الحل الأمثل الذي يجمع بين خصوصية كل إقليم واحتياجاته وبين بقاء البلاد قوية موحَّدة.. فالفيدرالية ليست بديلاً عن الوحدة، بل شكلاً متقدّماً من إدارتها، وتكريساً للعدالة، وتوزيعاً للسلطة، ومنحاً لكل إقليم حق إدارة شئونه في إطار الدولة الواحدة التي تستوعب الجميع..
خلاصة الأمر: إن الوحدة اليمنية باقية.. ونجم الوطن لا ينطفئ أبداً، فالوحدة ليست مجرد ذكرى، وليست شعاراً، بل حقيقة قانونية ومؤسسية وشعبية ودولية.. والانفصال ليس قريباً، بل هو أبعد من عين الشمس، كما تقول الحكمة اليمنية، وأن مَنْ ينادون بالانفصال إنما يبيعون الوهْم للبسطاء من العامة فقط..
والسؤال الذي يفرض نفسه في الختام:
إذا كان العالم كلّه متمسكاً بوحدة اليمن.. وإذا كانت الفيدرالية تحقق العدالة لكل أبنائه.. فلماذا لا نمضي نحو المستقبل بدلاً من مطاردة سراب لا وجود له إلا في خيال بعض السذج من الناس؟!
وبالنظر إلى ما تَـقدَّم أعلاه.. نقول: عجيبٌ أمر مَنْ يبحث عن دولة ضائعة؛ بينما دولته الحقيقية كامنةٌ أمامه، وتنتظر منه فقط أن يفتح عينيه!
*مستشار وزارة الشباب والرياضة
|