سعيد مسعود عوض الجريري - لقد بات المشهد السياسي في اليمن أكثر تعقيدًا وتشظّيًا، في ظل غياب شبه تام لدور القوى الوطنية والسياسية الفاعلة، التي توقفت عن أداء مهامها التاريخية، وابتعدت عن واجبها في حماية الوطن والدفاع عن وحدته وسيادته.. وفي المقابل، تُرك المجال مفتوحًا أمام ما يُسمى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعبث بمقدرات البلاد، مستندًا إلى دعم مالي خارجي ضخم، في مشروع لم يرَ النور، ولم يحقق أي إنجاز يُذكر، سوى المزيد من الانقسام والاضطراب..
إن هذا المجلس الانتقالي، الذي لا يُعد حزبًا سياسيًا بالمعايير الوطنية، يتحرك وفق أجندة لا تخدم اليمن، بل تسعى إلى تمزيقه وتشتيته، مستغلًا حالة الفراغ السياسي، والضعف المؤسسي، والانقسام المجتمعي، لتمرير مشروعه الانفصالي، الذي لم يلقَ إجماعًا شعبيًا، ولا اعترافًا وطنيًا، بل قُوبل بالرفض من قطاعات واسعة من أبناء الشعب اليمني، شمالًا وجنوبًا..
وفي ظل هذا العبث، تقف القوى السياسية الأخرى مكتوفة الأيدي، عاجزة عن التصدّي لهذا المشروع، أو تقديم بدائل وطنية جامعة، تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.. لقد بات من المؤلم أن نرى الوطن يُنهب ويُفكك، بينما القوى الوطنية تُقصى، وتُحاصَر، وتُمنع من أداء دورها الطبيعي في حماية البلاد من الانهيار..
فلماذا لا تُمنح هذه القوى الفرصة لتنهض من جديد، وتواجه المشاريع الخارجية التي تسببت في تجويع الشعب، وإفقاره، وتهجير أبنائه، وتدمير نسيجه الاجتماعي؟..
لماذا يُترك القرار الوطني رهينة لمكوّن لا يملك استقلالية قراره، ويتحرك وفق توجيهات خارجية، بينما تُقصى القوى القادرة على بناء مشروع وطني جامع، يعيد لليمن مكانته ووحدته؟!..
لماذا لا يُسمح بالتنافس السياسي الشريف، الذي يُمكّـن الشعب من اختيار من يمثّله، بعيدًا عن المال السياسي، والوصاية، والابتزاز الإقليمي؟..
إن دعم القوى السياسية الوطنية، وتمكينها من أداء دورها، لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ملحّة، لإفشال المشاريع الخارجية، واستعادة القرار الوطني، وتحقيق التقدم في المسار السياسي، وبناء دولة مدنية عادلة، تحفظ كرامة الإنسان اليمني، وتعيد للوطن سيادته ووحدته..
إن ما يُسمى المجلس الانتقالي، الذي يروّج لمشروع انفصالي فاشل، لا يملك قراره الوطني، بل يتحرك وفق أجندة لا ترى في اليمن سوى ساحة نفوذ، ومسرحٍ لتصفية الحسابات الإقليمية، دون أي اعتبار لمعاناة الشعب، أو لمستقبل الأجيال القادمة..
إننا اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخ اليمن، تتطلب من جميع القوى الوطنية أن تتجاوز خلافاتها، وتتوحد خلف مشروع وطني جامع، يُنقذ البلاد من الانهيار، ويُفشِل كل محاولات التمزيق والتبعية..
فالوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا يُحمى بالصمت، بل بالفعل السياسي المسئول، والإرادة الحُرة، والاصطفاف الوطني الصادق.
|