الميثاق نت -   <br />

الأحد, 21-ديسمبر-2025
عصام طاهر -
"البوابة السرية الكبرى"
معركة الذاكرة والهوية وصدمة الوحدة اليمنية 1990م في عقول صُنَّاع المخطط وهذا هو التحدّي الحقيقي
1
الزلزال الأول:
"الوحدة اليمنية 1990م"
عام 1990م لم يكن حدث وحدة، بل كان حدث صدمة اهتزّت به غرف التقدير الاستراتيجي في العواصم الكبرى والإقليمية..
اختفت حدود داخلية كانت تشكّـل صمام أمان..
وظهر كيان كبير يمتلك
عمقاً بشرياً.. امتداداً جغرافياً.. بوابة بحرية استراتيجية.. أرضاً غنية غير مكتشَفة.. موقعاً يقطع خطوط التجارة العالمية.. وهوية موحدة منفتحة على التماسك لا التفكك..
في التقارير السرية الغربية قُدمت الوحدة بوصفها مفاجأة جيوسياسية غير مرحَّب بها لأنها تعني كياناً صعب الاختراق، وشعباً شديد التماسك، ودولة قادرة على أن تصبح قوى إقليمية خلال 20 عاماً لو استمرت مستقرة..

هنا بدأ التخطيط الطويل.. هنا وُلدت فكرة
إعادة هندسة اليمن قبل أن يكمل تشكُّـله..
-2
"استراتيجية محو الذاكرة"
بعد الوحدة، كان أكبر خطر على المخطط هو
هوية يمنية جامعة.. ذاكرة مشترَكة.. فكرة شعب واحد.. جغرافيا واحدة.. مصير واحد..
لذلك، بدأت القوى المتدخّلة بتنفيذ استراتيجية تهدف إلى
إلغاء ذاكرة اليمنيين
وتحويل التاريخ المشترَك إلى تاريخ متنازَع عليه،
وإحلال روايات بديلة
طائفية، مناطقية، سياسية، لخلق جيل لا يعرف الوحدة، ولا يفهم قيمتها، ولا يملك ذاكرة مشترَكة يمكن أن تُستخدَم كأساس نهوض جديد..
وهذا هو جوهر معركة الذاكرة؛ كلما تم تمزيق الماضي أصبح تشكيل المستقبل أسهل..
-3
"دور الظل الأمني العابر في صراع الهوية"
بعد أن ظهرت الوحدة كتهديد، جاءت مرحلة إنشاء جهاز يوضع تحت السيطرة الخارجية لمراقبة المجتمع وجمع البيانات وتحديد الشخصيات المؤثّرة
ومحاصرة أي وعي قد يعيد إنتاج فكرة الدولة الموحدة القوية..

هذا الجهاز الذي أسمّيه
"الظل الأمني العابر"، كان مهمته الأساسية تفتيت المجتمع من الداخل لا حمايته، وتسليم مفاتيح الوعي اليمني لشبكات إقليمية ودولية لتضمن أن الذاكرة الوطنية لا تنمو، ولا تتشكل، ولا تعود..
وكل سلطة تعاقبت استخدمت الجهاز نفسه،
فأصبحت اليمن تحت
أمن بلا دولة، ودولة بلا أمن، ومجتمع بلا حماية..
-4
"الهجوم على الهوية المشترَكة"
بعد الوحدة بدأت العمليات المنظمة التالية:
أ- تغذية النزاعات القديمة.. قبيلة ضد قبيلة.. منطقة ضد منطقة.. شمال ضد جنوب.. شرق ضد غرب؛ حتى يصبح الوطن مجرد فسيفساء يسهل تكسيرها..
ب- إحياء صراعات الماضي كأنها صراعات الحاضر، بما في ذلك
ثأر، ثورة، أسر سياسية،
مشاريع حُكم تاريخية؛ ليس الهدف معرفة الماضي، بل تحويله إلى قنبلة..
ج- إدخال خطاب جديد
يحطّم الشعور بالانتماء
ويقدّم بدائل صغيرة، انتماء لطائفة.. انتماء لقبيلة.. انتماء لجهة إقليمية.. انتماء لحزب يموّله الخارج..
هكذا تُقتل الهوية الجامعة، ويولد مجتمع مُجزَّأ وحدته مستحيلة،
وتصبح اليمن قابلة لإعادة التشكيل حسب مشيئة الخارج..
-5
الهجوم على اللغة والمفاهيم
تغيير الهوية يبدأ من تغيير الكلمات.. وفي اليمن بدأ التغيير عبر:
- استبدال مصطلحات وطنية بمصطلحات مستورَدة.
- استبدال مفاهيم دينية بمفاهيم منظمات.
- استبدال وعي اجتماعي بخطاب تمرُّدي متوتّر؛ وتقديم الفرد باعتباره محوراً.. والأسرة باعتبارها عائقاً.. والمجتمع باعتباره قيداً.. والوحدة باعتبارها صفقة سياسية، لا قدراً تاريخياً..
بهذا يفقد اليمني قدرته على فهم نفسه، وحين يفقد قدرته على فهم نفسه، يصير جاهزاً للبرمجة..
-6
كيف استُخدم تمكين النساء في "ضرب الهوية"
في هذا الجزء بالذات يدخل ملف نوبل وملف المنظمات وملف الرموز النسوية، كدور مركزي في تفكيك الهوية..
الهدف لم يكن تمكين المرأة، بل إعادة تعريفها
وإخراجها من بُعدها القِيَمي، لتحل محلّها
امرأة جديدة مُعاد تأهيلها ذهنياً، ترى المجتمع خصماً، وترى الدين قيداً، وترى الأسرة سجناً، وترى الرجل عدوّاً..
هذا التحوُّل يسحب آخر أعمدة الهوية، لأن الأسرة هي عمود المجتمع الإسلامي، وتفكيكها يعني انهيار الهوية وانهيار الذاكرة وانهيار الوحدة من جذورها..
-7
الوحدة كجرس إنذار خارجي
بعد 1990م كتب أحد الباحثين في مركز غربي، تقريراً سرياً جرى تداوله في دوائر ضيّقة، قال فيه:
"إن نجاح الوحدة اليمنية سيكون البداية الحقيقية لولادة قوة إقليمية جديدة مستقلة لا يمكن احتواؤها، وقد تتسبب في عرقلة مشاريع إقليمية وخليجية، وتغيير شكل النفوذ في البحر الأحمر، ومنع تكوين محور نفوذ خارجي في باب المندب" ..
هذا التقرير دفع القوى الإقليمية إلى اعتماد استراتيجية "احتواء - تعويق - تفكيك"، قبل أن تقف الوحدة على قدميها؛ وهذا ما حدث فعلاً.. إعادة هندسة اليمن من الداخل حتى لا تقوم الدولة الموحَّدة، ولا يظهر الكيان الكبير الذي يخشاه الجميع..
-8
الوحدة اليمنية كانت شرارة الذعر التي أطلقت المشروع الكبير؛ وكل ما حدث بعد ذلك من هندسة وتمزيق وإغراق اليمن بالحرب، وإدخالها إلى مختبر التفكيك، كان هدفه الحقيقي إجهاض مشروع الدولة الموحَّدة القوية قبل أن تنضج..
معركة الهوية والذاكرة ليست تفاصيل..
هي صميم اللعبة..
هي السلاح الذي يدمّر دولة بلا قصف، ويذيب شعباً بلا جيوش، ويعيد تشكيل وطن بلا احتلال مباشر.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 06:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68240.htm