علي بن محمد صبر - في واحدة من أكبر صفقات تبادل الأسرى في تاريخ العدوان الغاشم لدول التحالف ومرتزقته على بلادنا، قدّمت حكومة صنعاء إنجازًا لا يمكن القفز عليه، لا سياسيًا ولا أخلاقيًا.. إنجازاً لا تُقاس قيمته بعدد المُفرَج عنهم فحسب، بل بما كشفه من تَـمايُز بنيوي بين طرف يمتلك قرارًا مركزيًا وملفًا متماسكًا، وأطرافٍ أخرى تتوارى خلف قناع “الشرعية” بينما تعجز عن جمع أوراقها..
صفقة التبادل لم تكن حدثًا إنسانيًا عابرًا، بل اختبار دولة:
مَنْ يملك القرار؟..
مَنْ يملك السّجل؟..
ومَنْ يملك القدرة على تحويل الشعار إلى إجراء؟..
هنا، تبرز حكومة صنعاء لا بوصفها طرفًا بل بوصفها فاعلًا منظّمًا استطاع إدارة ملف معقَّد، والتفاوض عليه، وتنفيذه، دون أن يتذرّع بتعدُّد الفصائل أو تَبايُن الولاءات..
وفي المقابل، يظهر الطرف الآخر—حكومة عدن ومن خلفها التحالف—مرتبكًا، متشظّيًا، يرفع شعار “الكل مقابل الكل” ثم يتراجع خطوة خطوة أمام أول استحقاق تنفيذي..
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
إذا كان شعار الكل مقابل الكل مطلبًا إنسانيًا، فلماذا لم يُنفّذ حين سنحت الفرصة؟!..
وهل العائق فني كما يُقال؟، أم أن الحقيقة أبعد من ذلك؟..
الواقع، كما كشفت الصفقة، أن المشكلة ليست في الإجراءات، بل في غياب الرؤية الجامعة.. فكيف يمكن تنفيذ “الكل مقابل الكل” وطرفٌ لا يملك:
قرارًا موحَّدًا،
ولا سِجلًا شاملًا للأسرى،
ولا سلطة فعلية على السجون، ولا حتى اتفاقًا داخليًا على مَنْ هو الأسير، ومَنْ هو ورقة نفوذ؟..
وهنا يحق التساؤل بلا مواربة:
مع مَنْ تتفاوض صنعاء فعليًا؟..
هل مع دولة؟، أم مع كيان تتنازعه الفصائل، وتحتفظ كل جهة فيه بملف الأسرى كمِلكية خاصة؟..
ثم سؤال أشد إيلامًا:
لماذا تُرحَّل صفقة الكل مقابل الكل إلى “مرحلة ثانية” إنْ كانت الإرادة صادقة؟..
أهي مرحلة بناء ثقة؟، أم مرحلة شراء وقت لإخفاء العجز؟..
إن المرحلة الثانية، كما اتضح، ليست جسرًا نحو الحل، بقدر ما هي مِرآة كاشفة، مرآة تُظهِر مَنْ يمتلك الدولة كفعل، ومَنْ يمتلكها كخطاب.. مَنْ يستطيع أن ينجز، ومَنْ لا يستطيع إلا أن يبرّر..
ما جرى ليس انتصارًا دعائيًا لحكومة صنعاء، بل انتصاراً لمنطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى المقنَّعة بالشرعية، وهو يفرض حقيقة لا يمكن إنكارها..
ويبقى السؤال الأخير، وهو الأهم:
إلى متى ستُختطَف القضايا الإنسانية لتغطية العجز السياسي الحاصل بما يُسمى بالشرعية والتحالف؟!..
وإلى متى سيُطالَب الطرف القادر على الإنجاز بالانتظار، لأن الطرف الآخر لم يحسم أمره مع نفسه بعد؟..
في ملف الأسرى، كما في غيره، تكلَّم الفعل، وسقطت الأقنعة.. وخير الكلام.
|