الميثاق نت -

الإثنين, 29-ديسمبر-2025
توفيق عثمان الشرعبي -
مَنْ يقرأ بيانات المجتمع الدولي بشأن اليمن يظن للوهلة الأولى أن وحدة البلاد تحظى بإجماع دولي لا لَبس فيه.. فكل القرارات الأممية وكل التصريحات الصادرة عن العواصم المؤثّرة تؤكد على (وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه).. غير أن هذا الخطاب عند إخضاعه لاختبار الواقع يتكشف بوصفه خطاباً زائفاً أو في أحسن الأحوال بلا مضمون سياسي حقيقي..
فالوقائع على الأرض خصوصاً في المحافظات المحتلة الجنوبية والشرقية، تشير بوضوح إلى مسار معاكِس تماماً.. فما يجري هناك هو تفكيك منظَّم للدولة، وشرعنة قوى الأمر الواقع، وتكريس كيانات سياسية وعسكرية تعمل خارج إطار الدستور اليمني وبدعم إقليمي مباشر وفي مقدمة ذلك الدور الإماراتي..
التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أثبتت أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع اليمن كدولة ذات سيادة، بل كساحة مفتوحة لإدارة الصراع وتصفية الحسابات الإقليمية.. لذلك فإن الحديث المتكرّر عن دعم الوحدة لا يعدو عن كونه غطاءً سياسياً لإدارة واقع مناقض لها..
فلو كان هذا المجتمع جاداً في مواقفه لما صمت أمام إنشاء تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة، ولَـمَا تغاضى عن السيطرة على الموانئ والجزر، ولَـمَا قَـبِلَ بتحويل جنوب الوطن إلى مناطق نفوذ متنازَع عليها.. لكن الصمت الدولي بل والتكـيُّف مع هذه الوقائع يكشف أن الوحدة ليست أولوية دولية بل يتعاملون معها وكأنها عبء سياسي يجب التعامل معه ببرود متعمَّد.!!
وبالنظر للدور الإماراتي في اليمن فلم يعد بحاجة إلى توصيف دبلوماسي مبنيّ على مزاعم "دعم الشرعية"!!.. ما يجري هو مشروع نفوذ واضح المعالم يقوم على تفكيك الدولة اليمنية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم المصالح الاستراتيجية لأبوظبي ومن خلفها البريطاني والإسرائيلي والأمريكي في الموانئ والسواحل وخطوط الملاحة..
وقد اتخذوا هذا المشروع مما يُسمى بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" أداة سياسية وأمنية لتنفيذ أجندتهم.. فهذا الكيان لم ينشأ استجابةً لإرادة شعبية عامة ولم يأتِ عبْر مسار سياسي أو ديمقراطي، بل فُرِض بالقوة ومُوّل وسُلّح ليكون بديلاً عن الدولة، وخصماً للوحدة الوطنية.!!
إن خطورة المجلس الانتقالي لا تكمن فقط في خطابه الانفصالي بل في الدور الوظيفي الذي أُنشئ من أجله والمتمـثّل بضرب فكرة الدولة الواحدة وتحويل الجنوب إلى كيان تابع هَشّ قابل للتوظيف الإقليمي..
من أكبر المغالطات التي يجري الترويج لها تصوير المشروع الانفصالي وكأنه تعبير عن قضية جنوبية جامعة.. والحقيقة أن الجنوب بتاريخه وتركيبته الاجتماعية أكبر من أن يُختزَل في مجلس أو ميليشيا أو مموّل خارجي..
القضية الجنوبية الحقيقية هي قضية عدالة وشراكة ومواطَنة متساوية، لا قضية تفكيك وتمزيق واستدعاء الوصاية الخارجية..
وكل مَنْ يروّج عكس ذلك إنما يساهم – بقصد أو بغير قصد – في تسليم جنوب الوطن ليكون ساحة نفوذ، لادولة.!!

وإزاء هذا المشهد ـ الذي يعتمل أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي ـ لا يجوز لليمنيين الوحدويين الاستمرار في حالة الدفاع الخجول أو الخطاب الرمادي.. المطلوب اليوم -وقبل فوات الأوان- موقف سياسي صريح يحدّد بوضوح مَنْ يعمل مع الوحدة، ومَنْ يعمل ضدها.. وفضح المشروع الإماراتي وأدواته دون مواربة وبخطاب موثَّق لا دعائي.. بالإضافة لإعادة بناء الخطاب الوحدوي على أساس المصالح الوطنية لا الشعارات التاريخية.. وعدم الرهان على المجتمع الدولي بوصفه منقذاً، بل التعامل معه كفاعل تحكمه المصالح ويمكن مواجهته بالضغط السياسي والإعلامي..
مقصد القول: إن الوحدة اليمنية اليوم تواجه أخطر تهديد لها منذ تحقيقها.. والخطر لا يأتي فقط من المشاريع الانفصالية.. بل من الصمت والتهاون والتساهل تجاه ما يجري والقبول بالأمر الواقع..
فالوحدة التي لا يدافع عنها أبناؤها بوضوح ستتحول إلى بند في بيان دولي بلا قيمة.. وإلى ذكرى في خطاب سياسي بلا جدوى وبلا أثر..!!
جميعنا ندرك أن اليمن إما دولة واحدة أو ساحات نفوذ متعدّدة.. ولا منطقة وسطى بين الاثنين.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68280.htm