الميثاق نت -

الثلاثاء, 17-فبراير-2026
عبدالكريم العواضي -
معايير كتابة هذا النص..
هذا النص لا يُكتب بوصفه رأياً سياسياً ولا خطاباً تعبوياً ولا دفاعاً عن طرف أو هجوماً على طرف، بل كُتب كنص تحليلي بنيوي يعتمد على قراءة طويلة المدى للتاريخ اليمني وعلى أنماط متكررة يمكن رصدها وقياسها عبر الزمن..

ويخضع للمعايير التالية:
هذا النص لا يقارن اليمن بدول مستقرة بل يقارن اليمن بنفسه عبر مراحل زمنية مختلفة، هذا النص أيضاً لا يفسر الأحداث من خلال الأشخاص بل من خلال البنى، الاقتصاد الجغرافيا، التركيبة الاجتماعية وشكل السلطة..
هذا النص لا يتعامل مع السياسة كأحداث منفصلة بل كنمط متكرر يظهر في الاقتصاد، العمل، المشاريع، الهجرة والسلوك الاجتماعي..
هذا النص يفصل بين الحكم الأخلاقي والتفسير العلمي، فالتفسير هنا لا يعني تبريراً، ولا يعني إدانة بل فهم آلية عمل الحالة اليمنية..
أخيراً هذا النص ينطلق من فرضية أساسية، أن اليمن لا تتحرك في الزمن السياسي نفسه الذي تتحرك فيه بقية الدول، وأن أي قراءة لا تراعي هذا الفارق الزمني ستنتج استنتاجات مضللة..و عليه فإن الحقائق التي بني عليها هذا النص هي حقائق تاريخية وزمنية يمكن التحقق منها ، و خير مثال على ذلك لم تحسم الإمامة امرها منذ ١٩١٩ حتي اليوم بظهور حركه الحوثيين ولم يحسم الجمهوريين الحكم منذ ١٩٦٢ حتي اليوم و لم تحسم الحركات الحميرية الحكم في الجنوب منذ ١٩٦٣ حتي اليوم ولم تحسم الوحدة امرها منذ اول حرب بين الشطرين ١٩٧٢ حتي اليوم ولم تحسم قوي تحالفات سباء حكم اليمن منذ ١٩٩٤ حتي اليوم ولم يحسم الانفصال كذلك و لم تحسم ثورة ٢٠١١ امرها حتي اليوم ولم تحسم ثورة ٢٠١٤ امرها حتي اليوم ولم تحسم القوي الجمهورية امر استعادة الجمهورية منذ ٢٠١٥ حتي اليوم و ايضا ثورة ٢ ديسمبر ٢٠١٧ لم تحسم حتي الان و حتي اعلان الزبيدي نهاية ديسمبر ٢٠٢٥ و اخيرا الصحيان القتباني الحديث ٢٠٢٦ الممثل بالشرعيهو الاخوان و حضرموت و الاقاليم الشرقية..
لم تعرف اليمن انتقالاً سياسياً كبيراً حُسم خلال فترة قصيرة.. جميع التحولات الكبرى في اليمن استغرقت عقوداً أو قروناً وقيام تحالفات سبأ الذي انتج مملكة سبأ جاء بعد قيام المدن في اليمن بحلول ٤٠٠٠ عام وبعد حضارة مصر وبلاد الرافدين بـ ٥٠٠٠ عام..
انهيار الدول في اليمن تاريخياً لم يؤدِّ إلى ولادة دولة جديدة مباشرة بل إلى فراغات سياسية طويلة كما حدث بعد انهيار الدولة الحميرية، وكما تكرر بعد دول لاحقة وكما نشاهده اليوم ٢٠٢٦م..
لا توجد دولة يمنية كبرى ظهرت كقرار سياسي سريع أو كنتيجة انتقال سلس بل ظهرت الدول دائماً بعد إنهاك طويل وصراعات ممتدة بعكس مصر مثلاً عام ٢٠١١ - ٢٠١٣م..
الثورات في اليمن كانت أطول زمناً من نظيراتها في الإقليم ثورة الستينيات امتدت أكثر من عشر سنوات وثورة 2011م ما زالت ممتدة بأشكال مختلفة حتى اليوم..
لم تُغلق أي مرحلة تاريخية في اليمن بشكل كامل.. القبيلة لم تُصفَّ سياسياً.. الدولة لم تكتمل مؤسسياً ..الشرعية لم تُحسم نهائياً.. فبقيت المراحل متراكبة فوق بعضها..
بعد كل قفزة سياسية كبرى تمت إعادة توزيع القوة لكن لم تُبنَ قاعدة دولة شاملة.. قانون واحد ..جباية واحدة .. احتكار قوة.. تعريف ثابت للمواطنة..
الصراعات اليمنية تاريخياً لم تُحسم بحسم سريع بل تحولت إلى حروب استنزاف طويلة.. وهو نمط متكرر يمكن رصده عبر قرون ، منذ انهيار سبأ حتى اليوم.. نفس النمط يتكرر، التأخر ثم القفز للأمام بمراحل طويلة ثم التعليق ؛ مثلاً تأخرت اليمن في صنع حضارة مقارنة بمصر وبلاد الرافدين ثم فاجأت اليمن العالم بسبأ وحمير وقتبان.. ونفس الشيء عام ١٩٩٠م بالوحدة اليمنية ، يظهر احياناً حتى خارج السياسة، في الاقتصاد وفي تنفيذ المشاريع ، وفي الثبات الوظيفي ، وفي المسارات المهنية..
ظاهرة انتظار اللحظة المناسبة ليست حالة نفسية فردية بل نمط جماعي تشكّل نتيجة تاريخ طويل من عدم الاستقرار وعدم حسم الصراعات..
التحالفات التاريخية الكبرى ..سبأ ( صنعاء ).. حمير ( عدن ) ..قتبان ( حالياً الاخوان والشرعيه وحضرموت ) فقدت قدرتها الوظيفية على إنتاج دولة حديثة رغم بقائها حاضرة رمزياً في الخطاب والصراع.

ملاحظة للقارئ
بناءً على هذه المعايير والحقائق فإن أي تحليل لاحق في هذا النص لا ينطلق من عاطفة ولا من موقف سياسي بل من محاولة تفسير ..لماذا يتكرر نفس الشكل التاريخي في اليمن رغم تغيّر الأنظمة والأسماء والتحالفات..

والسؤال المطروح هنا؛
لماذا تبقى اليمن عالقة بين عصور مختلفة ثم تقفز لبعد جديد كل مرة ( العقل الرابع )..؟ والعقل الرابع هنا المقصود به النظام الجديد في اليمن المغاير لما قبله بعد كل مرحله فوضي..
اليمن ليست دولة فاشلة لكنها دولة عالقة، الفشل يعني النهاية.. اما اليمن فلم تصل إلى النهاية بعد ، لكنها عالقة في المنتصف منذ عقود وقرون .. عالقة بين القبيلة والدولة.. عالقة بين الغنيمة والضريبة.. عالقة بين الإمام والرئيس.. عالقة بين الثورة والحرب.. عالقة بين الشرعية كفكرة والشرعية كوظيفة..
الدولة الفاشلة تسقط وتستبدل، أما الدولة العالقة فهي اخطر لانها لا تسقط ولا تتقدم.. في اليمن لم تفشل المؤسسات لانها سيئة فقط، بل لأنها لم تمنح الفرصة أن تكون دولة اصلاً.. كل مرحلة تاريخية لم تغلق بالكامل ، القبيلة لم تندمج وتتطور سياسياً لتتحول الى مجتمع مدني، والدولة لم تستكمل لتفرض القانون فوق الجميع والشرعية لم تحسم فبقي الحكم مؤقتا منذ 1962 و 1963م حتى اليوم فنتج كيان هجين سلطة بلا اقتصاد.. دولة بلا احتكار.. قوة مجتمع بلا عقد اجتماعي.. النتيجة ليست الانهيار بل الدوران في حلقة مغلقة ولهذا تتغير الانظمة ولا تتغير القواعد .. يسقط الحكام وتبقى الذهنية..
وتنتهي الحروب الكبيرة وتبدأ حروب اصغر داخل العقل اليمني نفسه..
اليمن ليست عاجزة عن بناء دولة لكنها عالقة بين عصور مختلفة في الوقت نفسه، ولهذا ايضا كل الحلول التي تطرح اليوم تفشل قبل ان تبدأ لانها تحاول اصلاح الدولة دون فك شفرة حالة التعليق التاريخي نفسها..!! والسؤال الحقيقي ليس، كيف ننقذ اليمن بل كيف ننهي حالة الدولة العالقة؟!! وهذا سؤال اصعب واعمق ولا تجيب عليه التسويات السريعة ولا الحكومات المؤقتة ولا أي حسم عسكري..
ومن هنا نفهم لماذا يبدو ان اليمن يتأخر تاريخيا ثم يقفز فجأة الى الامام ثم يعلق لان التراكم المطلوب لبناء القاعدة يتكون ببطء في اليمن ويتفكك بسرعة لاسباب بنيوية:

١- الاقتصاد اليمني تاريخياً لا يسمح بتكوين دولة ريعية مستقرة ولا ضريبية مستقرة لوقت طويل لانه اقتصاد موارد متفرقة وزراعة ومياه موسمية وتجارة وحاليا نفط..
٢- بالاضافه إلى النقطة ١ يوجد لدينا ماكنة مرعبه من انتاج المراكز المتعددة تتنافس ( انشر إلى حتى عدد الناشطين السياسيين والإعلاميين الآن ) بينما الجغرافيا تنتج تعدد مراكز اضافية لا مركزا واحدا فالمجتمعات المحلية قابلة للدفاع الذاتي وكلفة اخضاعها عالية وكلفة التفاوض معها اقل فيتحول الحكم الى تسويات ( انظروا آخر حكومة للشرعية قبل ايام حكومة تسويات )..
٣- أيضاً لا يوجد احتكام إلى قانون والتركيبة الاجتماعية ينتج عنها حماية محلية اقوى من حماية الدولة فالفرد يجد امنه في الشبكة المحلية اكثر مما يجده في مؤسسة دولة لم تثبت تفوقها والنقطة الاخطر ان الدولة في اليمن غالبا تظهر كحلف لا كمؤسسة ، الحلف ينتصر لكنه لا يستمر دون ان يتحول إلى مؤسسات واذا لم يتحول يعود إلى شكل تحالفات متصارعة داخل الدولة نفسها..
٤- لهذا حين يحدث ضغط متراكم ثم انفجار سياسي تنتج اليمن قفزات كبيرة ثورة.. انقلاب.. وحدة.. حرب شاملة، لكن القفزة وحدها لا تكفي لانها مجرد اعادة توزيع للقوة فإذا لم تتحول القوة الى قاعدة مؤسسية تعود اليمن الى التعليق من جديد ولهذا ايضا الثورات العربية في الستينيات حسمت بسرعة نسبيا حتى في الربيع العربي، بينما استمر المسار اليمني طويلا لان الصراع لم ينتج قاعدة جديدة تنتشر على كامل المجتمع بل انتج سلطات متنازعة حول شرعيات متحركة وداخل هذه البنية يصبح الزمن نفسه غير مستقر فلا يعود الوقت خطا مستقيما يبدأ وينتهي بل يصبح وقتا متقطعا بداية ثم توقف ثم تفاوض ثم انتظار ثم قفز ثم توقف وهذا ليس توصيفا للشأن السياسي فقط بل هو توصيف للاقتصاد والادارة والعمل..
٥- وهنا تظهر ظاهرة تبدو صغيرة لكنها تكشف النظرية كلها عقدة انتظار اللحظة المناسبة التي لا تأتي ابدا هذا ليس مجرد مزاج اجتماعي بل نتيجة تاريخ طويل من الفوضى غير المحسومة في بيئة تتحرك فيها السلطة وتتبدل التحالفات وتتغير القوانين وتنهار الضمانات يصبح التحرك المبكر مخاطرة ويصبح الانتظار استراتيجية بقاء.. من يتحرك قبل ان يتضح المشهد يخسر ومن ينتظر قليلا يرى من يسقط قبله فيتعلم العقل الجمعي ان يتأخر وان يراقب وان يتحرك فقط حين يشعر ان الكلفة انخفضت لكن في اليمن الفوضى لم تعد مرحلة مؤقتة بل تحولت الى حالة دائمة فتحول الانتظار من ذكاء الى عقدة لان الجميع ينتظر السياسي.. ينتظر التسوية والمقاول ينتظر الاستقرار والموظف ينتظر الراتب والمستثمر ينتظر الضمان والمجتمع ينتظر الدولة والدولة نفسها تنتظر نفسها وتنتظر لحظة لم تأتِ منذ عقود فينشأ انتظار متبادل بلا صانع قرار وهنا لا يحدث الانهيار ولا يحدث التقدم بل يحدث التعليق..
حتى التأخير الذي نراه في تنفيذ المشاريع ( جميعنا نذكر جسر الصداقة في التحرير ٧ سنوات بناء ) وحتى ضعف الثبات الوظيفي وحتى تشتت المسارات المهنية ليست تفاصيل منفصلة عن السياسة بل هي استمرار للنمط نفسه، حين تكون الدولة عاجزة عن تثبيت القانون والزمن تنتج اقتصادا عاجزا عن الالتزام وحين يكون الزمن متغيرا سياسيا وامنيا يتحول التأخير من خطأ الى سلوك مجتمعي تكيفي وحين يصبح الالتزام بمصدر واحد خطرا يصبح التنقل بين الوظائف عقلانية دفاعية وحين تصبح العلاقة بين المقاول والعامل علاقة قصيرة لان الثقة المؤسسية مفقودة تضرب الانتاجية والجودة والالتزام الزمني وهذا لا يفسر لماذا يتأخر المقاول فقط بل يفسر لماذا يتأخر المجتمع كله في التحول المؤسسي لان التحول يحتاج تراكم ثقة وثبات قواعد وزمن قابل للتوقع بينما اليمن اعتاد ان يعيش في زمن قابل للانقطاع في اي لحظة
ومن هنا يمكن فهم جملة واحدة تصف الحالة اليمنية بدقة اليمن يتأخر لان التراكم بطيء ويقفزلان الضغط عالي فيتراكم ثم ينفجر ويعلق لان القاعدة لا تكتمل هذه ليست ادانة ولا تبرير بل وصف لبنية تاريخية تنتج الشكل نفسه مهما تغيرت الاسماء ومهما تبدلت الواجهات ولهذا تتغير الانظمة ولا تتغير القواعد ولهذا يسقط الحكام وتبقى الذهنية ولهذا تنتهي حرب لتبدأ حروب اصغر داخل العقل نفسه
والسؤال الاهم الآن أين تذهب اليمن بعد ان استهلكت الصيغ القديمة..؟ هنا يأتي الربط الحقيقي بالعقل الرابع وظهور المدن تحالفات سبأ وحمير وقتبان كانت اطر تشغيل للزمن اليمني القديم تنتج دولة حين تتوازن شروطها وتنهار حين تختل هذه الشروط لكنها اليوم حاضرة رمزيا ومستهلكة وظيفيا لا تستطيع الاقصاء الكامل ولا تستطيع انتاج عقد اجتماعي ولا تستطيع بناء دولة حديثة لانها تعمل بادوات عصر انتهى وما يبدأ بالتكون بدلها ليس تحالفا جديدا على نفس المنطق بل عقل جديد .. عقل المدينة .. عقل يجعل الوقت مالا ويجعل العقد اعلى من الشخص ويجعل القانون فوق العصبية ويجعل الوظيفة الاقتصادية اهم من الشعار ويجعل المهارة ارفع من النسب ويحوّل النفوذ من يسيطر على الجبل الى من يسيطر على وظيفة المدينة ، ميناء ، معبر جوي او بري دولي او حتي نفط واتصالات وتحويلات شركات شبكة خدمات هذا التحول بدأ فعليا حتى لو لم نسميه ورأينا افتتاح بنوك جديدة في عدن وحضرموت والثقل السكاني يتحول تدريجيا نحو المدن والمنافذ والاقتصاد يصبح اكثر ارتباطا بالموانئ والخدمات والتحويلات والنفوذ يتحول من الجغرافيا الى الوظيفة الاقتصادية لكن هذا التحول لا يولد دولة مباشرة لان العقل الرابع ما زال في طور التكوين ولان المدن اذا لم تتحول الى مراكز قانون وزمن واقتصاد ستبقى مجرد تجمعات سكانية كبيرة فوقها نفس عقل الانتظار ونفس اقتصاد التسويات ونفس تعليق الدولة
ولهذا فإن اليمن ليست فاشلة هي فقط عالقة بين عصر انتهى وعصر لم يولد بعد واللحظة المناسبة التي ينتظرها الجميع لن تأتي لان الانتقال الى الدولة والمدينة لا يحدث عندما تتهيأ الظروف بل عندما يفرض زمن جديد وقواعد جديدة تجعل الانتظار مكلفا اكثر من الفعل وعندها فقط ينكسر التعليق وتتحول المدن من كتلة سكانية إلى مؤسسة ويتحول الاقتصاد من نجاة إلى انتاج ويتحول المجتمع من تكيف إلى عقد اجتماعي جديد وهذا هو سؤال المرحلة القادمة كيف يتحول عقل المدينة إلى دولة وكيف تتحول المدن اليمنية إلى مراكز قانون وزمن واقتصاد وكيف تنتهي الدولة العالقة دون أن تحتاج اليمن إلى قرن جديد من الانتظار؟.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68498.htm