الميثاق نت -

الثلاثاء, 17-فبراير-2026
مبارك حزام العسالي -
في كل عام، يحاول من يسمّون أنفسهم بـ“ثوار 11 فبراير” إحياء ذكرى لم تعد تحمل أي معنى وطني أو أخلاقي، سوى الإصرار على الهروب من الحقيقة. يتعاملون مع السخط الشعبي المتراكم وكأنه حكر على أنصار الرئيس السابق ونظامه، متجاهلين أن المتضرر الحقيقي من تلك الأحداث هو الشعب اليمني بأكمله، بلا استثناء.
الحقيقة التي يحاولون طمسها أن 11 فبراير لم يكن مشروع تغيير وطني مستقل، بل كان بوابة لاختراق خارجي واسع، استثمر في الغضب المشروع للشباب، ووجّهه لخدمة مشروع صهيوني–غربي استهدف الدولة اليمنية، لا نظامًا بعينه. لم تُبنَ دولة، ولم تتحقق عدالة، ولم يُستعاد قرار وطني؛ بل فُككت المؤسسات، وضُرب الجيش، وتحوّل البلد إلى ساحة صراع مفتوح.
إن ما يسمّى بـ“ثوار 11 فبراير الحقيقيين” ليسوا أولئك الذين يصرّون على الاحتفال بذكرى الخراب، بل من امتلكوا الشجاعة للاعتراف بأنهم كانوا أدوات، وأن أحلامهم استُخدمت ثم أُلقي بها جانبًا. هؤلاء أدركوا أن النتائج لم تكن مجرد “خيبة أمل”، بل كارثة وطنية شاملة ما زالت آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحاصر اليمن حتى اليوم.
لقد وعدوا الشباب بدولة مدنية، فكانت النتيجة فراغًا سياديًا. وعدوا بالكرامة، ففُتح الباب للوصاية الخارجية. تحدثوا عن الحرية، فكان الحصاد حربًا وانقسامًا وتبعية. وكل ذلك لم يكن صدفة، بل مسارًا مرسومًا بعناية لإسقاط الدولة من الداخل، ثم استدعاء التدخل الخارجي بذريعة “إنقاذ اليمن”.
إن الإصرار على إحياء 11 فبراير اليوم ليس موقفًا ثوريًا، بل تعبير عن إنكار سياسي وأخلاقي. فالثورات تُقاس بنتائجها، لا بشعاراتها، وبما أن نتائج 11 فبراير كانت تدمير الدولة وإطالة أمد المعاناة، فإن الدفاع عنها هو دفاع عن الفشل، لا عن الثورة.
لقد آن الأوان لقولها بوضوح: اليمن لم يكن بحاجة إلى ثورة مستوردة ولا إلى وصاية غربية، بل إلى إصلاح وطني حقيقي يحفظ السيادة، ويصون الدولة، ويمنع تحويل الشعب إلى وقود لمشاريع الآخرين. وأي حديث عن 11 فبراير خارج هذا السياق ليس إلا محاولة لإعادة تدوير الوهم.
ولعل أخطر ما في 11 فبراير لم يكن لحظة الخروج إلى الشارع، بل ما تلاها من إعادة هندسة كاملة للمشهد السياسي بما يخدم الخارج لا الداخل. فقد جرى تفريغ مفاهيم الثورة من مضمونها الوطني، وتحويلها إلى عناوين فضفاضة تُستخدم لشرعنة التدخل، وتبرير الوصاية، وتغطية مشاريع التقسيم، تحت لافتات براقة تخفي جوهرها الحقيقي.
تم تغييب أولويات الشعب الأساسية: السيادة، الاستقلال، وبناء الدولة، وحُشرت البلاد في مسارات انتقالية مُدارة خارجيًا، لا تملك قرارها ولا أدواتها. ومع كل مرحلة، كان يتضح أن “الرعاة الدوليين” لا يعنيهم استقرار اليمن ولا وحدته، بل إبقاؤه هشًا، قابلًا للابتزاز، ومفتوحًا لكل أشكال العبث السياسي والأمني.
وفي هذا السياق، لعبت قطاعات واسعة من النخب السياسية والثقافية دورًا سلبيًا وخطيرًا. فقد تخلّت عن مسؤوليتها الوطنية، وارتبطت بالتمويل الخارجي، وراكمت مصالحها الضيقة على حساب الحقيقة، وسوّغت الانهيار، وقدّمت التبعية في صورة “حداثة” و”تحول ديمقراطي”، بينما كانت في الواقع تبرر تفكيك الدولة وإفراغ السيادة من معناها.
أما الإعلام، فكان السلاح الأخطر في هذه المعركة. لم يكتفِ بنقل الحدث، بل أعاد تشكيله، وصاغ الوعي العام وفق سردية واحدة، وأقصى أي صوت مخالف. جرى تضليل الرأي العام، وتزييف المفاهيم، وتحويل الدفاع عن السيادة إلى تهمة، والارتهان إلى “المجتمع الدولي” إلى فضيلة، حتى بات الانحياز للوطن يُقدَّم كجريمة سياسية وأخلاقية.
وفي الاتجاه ذاته، أدت المنظمات الدولية والمحلية المموّلة دورًا وظيفيًا لا إنسانيًا. تحت عناوين حقوق الإنسان وبناء السلام وتمكين المجتمع، جرى إضعاف مؤسسات الدولة، وخلق بدائل هشة، وتكريس الاعتماد على الخارج. لم تكن هذه المنظمات كيانات محايدة، بل أدوات ضغط ناعمة لإعادة صياغة المجتمع وفق أولويات الممول، لا وفق حاجات اليمن وشعبه.
ولم تقتصر نتائج هذا المسار على السياسة وحدها، بل امتدت إلى الاقتصاد والنسيج الاجتماعي. فقد تدهورت العملة، وانهارت الخدمات، واتسعت رقعة الفقر، وتحوّل ملايين اليمنيين إلى ضحايا لسياسات عبثية لم تضع الإنسان في أي حساب. تفككت الروابط الاجتماعية، وتعمّق الاستقطاب، وغابت الثقة، وأصبح الوطن نفسه محل نزاع، لا إطارًا جامعًا. هذه النتائج لم تكن عرضية، بل الثمن الطبيعي لمسار فُرض من الخارج ونُفذ بأدوات داخلية.
ومع ذلك، فإن المستقبل لا يزال مفتوحًا على خيار آخر، شرط امتلاك الشجاعة التاريخية للاعتراف بالخطأ وقطع الطريق على تكراره. فبناء اليمن لا يبدأ من استدعاء ذكريات الفشل، بل من وعي نقدي يعيد تعريف الوطنية، ويضع السيادة معيارًا، والمصلحة العامة بوصلة. المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من يملك تأثيرًا أو كلمة: أن يختار بين الاصطفاف مع مشروع وطني مستقل، أو الاستمرار في الدوران داخل حلقة الوهم. إن الأجيال القادمة لن تحاكم النوايا، بل النتائج، ولن تعذر من كرّس الانقسام وهو يرفع شعارات التغيير.
المطلوب ليس استبدال شعارات بأخرى، بل تأسيس عقد وطني جديد يُنهي الوصاية، ويستعيد القرار، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة العادلة القادرة. دولة تُدار بإرادة أبنائها، لا بإملاءات الخارج، وتُبنى بتوافق وطني حقيقي، لا بمسارات مفروضة. هذا هو التحدي الحقيقي، وهذه هي المعركة التي تستحق أن تُخاض.
وما يؤكد فشل المسار السابق أن رموزه أنفسهم تفرّقوا، وتصارعوا، وتحولوا إلى أدوات متناحرة، كلٌ يخدم أجندة مختلفة، بينما بقي الشعب وحده يدفع الثمن من أمنه ومعيشته ومستقبله. لم يُحاسَب فاسد، ولم تُستعد دولة، بل جرى استبدال تبعية بأخرى، وانقسام بانقسام أعمق وأكثر خطورة.
إن إعادة إحياء 11 فبراير اليوم لا تعكس وفاءً لتضحيات الناس، بل خوفًا من مواجهة الحقيقة: أن المشروع سقط، وأن نتائجه كشفت زيف الشعارات التي رُفعت باسمه. فالشعوب قد تُخدع مرة، لكنها لا تُخدع إلى الأبد، والوعي المتراكم كفيل بفضح كل تجربة تُدار من الخارج مهما طال الزمن.
واليوم، لم يعد مقبولًا الاختباء خلف شعارات فقدت معناها، ولا الاحتفال بذكرى أثبتت الأيام أنها كانت نقطة انكسار لا انطلاق. 11 فبراير لم يُسقط فسادًا، بل فتح الباب لفوضى أكبر، ولم يحرر القرار الوطني، بل صادره، ولم يبنِ دولة، بل مهّد لتفكيكها.
إن المعركة الحقيقية ليست مع الماضي، بل مع الوهم المستمر؛ وهم أن الخارج يمكن أن يمنحنا دولة، أو أن التبعية يمكن أن تنتج كرامة، أو أن إعادة تدوير الفشل يمكن أن تُسمّى ثورة. اليمن لا يحتاج طقوس نواح سياسية، بل مراجعة شجاعة، ووعيًا صادقًا، واصطفافًا وطنيًا يقطع مع كل المشاريع المستوردة.
ومن لم يستوعب الدرس بعد، فليعلم أن التاريخ لا يرحم، وأن الأوطان لا تُدار بالشعارات، وأن الشعوب لا تنسى من أضاعوا مستقبلها وهم يصفقون.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68509.htm