الميثاق نت -

الثلاثاء, 24-فبراير-2026
إلهامي المليجي* -
في لحظة يتكرّس فيها التفوق الصهيوني كمعادلة إقليمية شبه مستقرة، نعود إلى الـ22 من فبراير/شباط 1958م لا لنستعيد ذكرى تجربة سقطت، بل لنسأل سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل كان خطأ الوحدة أنها حاولت… أم أن خطأنا نحن أننا توقفنا عن المحاولة؟
ليس المهم اليوم لماذا انتهت وحدة مصر وسوريا في سبتمبر/ أيلول 1961م.
الأهم أن نسأل: كيف صار الانقسام هو الإطار الذي نتحرك داخله، بينما تُعاد صياغة الإقليم تحت سقف ميزان قوى يميل بوضوح إلى مشروع معادٍ؟
حين أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة، لم يكن الحدث عاطفة سياسية عابرة، بل محاولة مباشرة لتعديل ميزان القوى في الشرق الأوسط.
كانت لحظة قرر فيها العرب الخروج من وضع "الدول المتجاورة" إلى احتمال "الكتلة القادرة"، وأن يقولوا إن الجغرافيا إذا تكتلت تتحول إلى قوة ردع.
ولهذا تحديداً واجهت التجربة مقاومة شرسة، ولهذا أيضاً تعثرت تحت وطأة أخطاء إدارة ومركزية مفرطة وغياب هندسة سياسية مرنة.
لكن سقوط التجربة لم يُسقط الفكرة، بل تركها معلّقة إلى أن وصلنا إلى اللحظة الراهنة، حيث تبدو الحاجة إليها أكثر وضوحاً، وأكثر إلحاحاً، وأكثر واقعية مما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي.

غزة مرآة المعادلة المختلة
ومن غزة تحديداً تتكشف الصورة الأوسع.. غزة ليست مجرد ساحة حرب، بل مرآة للمعادلة الإقليمية بأكملها.
الكيان الصهيوني لا يتحرك كطرف مهدد وجودياً، بل كقوة واثقة من تفوقها النوعي، قادرة على إدارة الحرب وتحديد إيقاعها، وتحويل المأساة إلى "روتين سياسي" يُستهلك إعلامياً ثم يُعاد إنتاجه.
الاستنزاف هنا ليس عسكرياً فقط، بل هو استنزاف للزمن والمعنى والإرادة، وفي المقابل، يتحرك العرب غالباً في دوائر منفصلة: هذا يفاوض على هدنة، وذاك يتوسط لفتح معبر، وثالث يبحث عن صيغة تهدئة، بينما يبقى الميزان العام مختلاً.
هنا يظهر الفارق الحاسم بين "التضامن" و"الكتلة"، التضامن موقف أخلاقي، أما الكتلة فهي معادلة قوة، ومن دون معادلة قوة مقابلة، يتحول التفوق إلى سقف سياسي تُدار تحته الأزمات بدل أن يُعاد رسمه.

التفوق الصهيوني من ميزة إلى نظام
وما يبدو في غزة ساحة مواجهة، هو في الحقيقة انعكاس لبنية تفوق أوسع.

التفوق الصهيوني لم يعد تفوق سلاح فقط، بل بنية كاملة:
تكنولوجيا عسكرية متقدمة، واقتصاد معرفي متصاعد، وتفوق استخباري عابر للحدود، وشبكة تحالفات دولية تمنح القوة غطاءً سياسياً دائماً، الأخطر أن هذا التفوق يعمل داخل بيئة عربية مفككة.
كل دولة تتحرك ضمن حساباتها الضيقة، وكل ملف يُدار منفرداً، ما يسمح بتحويل التفوق إلى "نظام إقليمي غير معلن"، تُدار داخله الحروب والهدن وحدود الممكن، الهيمنة لا تُفرض بالقوة وحدها، بل بغياب الكتلة المقابلة.
وحين يغيب المشروع العربي المشترك، يصبح التفوق الصهيوني المرجعية الضمنية لميزان القوى، ويُعاد تعريف الواقعية السياسية تحت سقفه.

وهنا يصبح السؤال وجودياً:
هل الانقسام حياد؟ أم أنه البيئة المثالية لترسيخ الهيمنة؟

سوريا درس ما بعد الانقسام
سوريا التي دخلت الوحدة بحثاً عن استقرار سياسي، تحولت اليوم إلى ساحة تداخلات وصراعات متعددة المستويات، الدولة القُطرية حين تُترك وحيدة في مواجهة مشاريع إقليمية ودولية كبرى، تصبح قابلة لإعادة التشكيل.
الوحدة لم تُحمَ بما يكفي آنذاك، لكن الانقسام لم يصنع حصانة.
ومن ينظر إلى المشهد السوري يدرك أن التفكك لا يحمي الكيانات، بل يجعلها أكثر عرضة للضغط وإعادة الصياغة.

وهنا تتضح الفكرة الأساسية:
ليست المسألة حنيناً إلى الماضي، بل قراءة لنتائج الحاضر، الأمن القومي المصري، الردع شبكة لا عزلةـ، وفي قلب هذه المعادلة يقف الأمن القومي المصري.

مصر اليوم محاطة بدوائر اشتعال متزامنة:
غزة جنوب شرق، وليبيا غرباً، والسودان جنوباً، والبحر الأحمر شرقاً، والقرن الأفريقي بما يحمله من تداخلات استراتيجية، هذه الدوائر لا تنفصل عن ميزان القوى العام في الإقليم.
وحين يتكرّس التفوق الصهيوني عنصراً ثابتاً في المعادلة، فإن غياب كتلة عربية منسقة يعني عملياً القبول ببيئة استراتيجية تميل دائماً لصالح المشروع المعادي.

مصر تمتلك أدوات قوة معتبرة، وتبني قدراتها الوطنية بثبات، لكن الردع في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بشبكة توازنات إقليمية ترفع الكلفة على أي مشروع هيمنة.
من دون حد أدنى من التنسيق العربي، يظل كل إنجاز قطري محصوراً داخل حدوده، ومن دون مشروع تكامل، تبقى المنطقة قابلة للإدارة من الخارج، لا قادرة على إدارة نفسها.

بين أخطاء الأمس وواجب اللحظة
الوحدة ارتكبت أخطاء حقيقية، نعم، لكن الخطأ الأكبر اليوم هو تحويل تلك الأخطاء إلى مبرر دائم لرفض أي تفكير في التكامل.
الانقسام ليس ضمانة استقرار، بل بيئة مثالية لترسيخ الهيمنة، والتفوق الصهيوني لا يصبح خطراً لأنه قوي فقط، بل لأنه يعمل في فراغ عربي ممتد، والفراغ، في السياسة، لا يبقى فارغاً.

الحد الأدنى من الوحدة معادلة تعديل لا شعار
المطلوب ليس استعادة 1958م حرفياً، بل استعادة منطقها: أن الكتلة تغيّر المعادلة.. تنسيق أمني استراتيجي فعلي.. تكامل اقتصادي يقلل التبعية.. تعاون تكنولوجي وصناعي يوازي التفوق المتنامي.. موقف سياسي عربي يعيد تعريف القضية الفلسطينية كقضية سيادة لا كملف إنساني.
هذه ليست شعارات عاطفية، بل أدوات توازن.. العالم يتحرك في كتل.. ومن يرفض أن يكون كتلة، يُدار من كتل الآخرين.
التفوق ليس قدراً والانقسام ليس أماناً.. أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول التفوق الصهيوني إلى حقيقة مسلّم بها.. التاريخ لا يعرف تفوقاً دائماً، لكنه يعرف أن الفراغ يُملأ دائماً، وكل فراغ عربي يُملأ على حساب العرب.
الكيان الصهيوني لا يحتاج إلى إسقاط الدول واحدة تلو الأخرى، يكفيه أن تبقى منفصلة، تُدير الأزمات بدل أن تغيّر المعادلة، وتبحث عن تسويات جزئية داخل إطار هيمنة أوسع.
22فبراير/ شباط لم يكن لحظة رومنسية، بل لحظة عقل استراتيجي أدرك أن الجغرافيا إذا تكتلت تصبح قوة.

أما اليوم، فالسؤال أكثر صراحة:
إذا كانت الوحدة الكاملة صعبة، فهل الانقسام أقل كلفة؟ وإذا كان تعديل الميزان شاقاً، فهل القبول بهيمنة التفوق الصهيوني أكثر أماناً؟
في السياسة، من يقبل ميزان القوة كما هو، يصبح جزءًا منه، لا طرفاً في تغييره.

* كاتب صحافي مصري
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 06:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68549.htm