أحمد العشاري - في تاريخ النزاعات البشرية، لطالما اختُزل مفهوم "الانتصار" في صورة الجندي الذي يرفع رايته فوق أنقاض معقل خصمه.. لكن القراءة المتأنّية لموازين القوى تُثبت أن هذا المشهد ليس سوى نصف الحكاية، وربما النصف الأقل أهميةً.. فالانتصار في جوهره ليس فعلاً أحادياً، بل هو عملة ذات وجهين: عسكري وسياسي؛ الأول يمهّد الطريق، والثاني يقطف الثمار..
الميدان: لغة القوة الخشنة
النوع الأول من الانتصار هو العسكري، وهو "السحق الميداني" الذي يهدف إلى شلّ قدرة الخصم على المقاومة.. هنا، تتحدث المَدافع وتُرسم الخرائط بالدم والنار.. الغرض من هذا النوع هو كسر إرادة القتال لدى الطرف الآخر وتدمير ترسانته..
ومع ذلك، يظل الانتصار العسكري "أعرج" إذا توقَّف عند حدود الثكنات؛ فالتاريخ يعلّمنا أن جيوشاً كسبت كل معاركها في الميدان، لكنها خسرت الحرب في نهاية المطاف لأنها لم تملك رؤية لما بعد الدخان..
طاولة المفاوضات: حيث يُصنع النصر الحقيقي
أما النوع الثاني، وهو الانتصار السياسي، فهو الميدان الأكثر تعقيداً وذكاءً.. إذا كان الميدان هو مكان "الاستنزاف"، فإن طاولة المفاوضات هي مكان "الاستثمار".. الانتصار السياسي هو المترجِم الفعلي لكل قطرة عرق بُذلت في الجبهات، وتحويلها إلى مكاسب قانونية، جغرافية، أو استراتيجية مستديمة..
"إن النصر الحقيقي ليس في رؤية عدوك مهزوماً، بل في إجباره على القبول بشروطك التي تحقق أهدافك الوطنية العليا"..
على طاولة المفاوضات، لا تُقاس القوة بعدد الدبابات، بل بالقدرة على المناورة وتحويل الضغط الميداني إلى اتفاقات ملزمة.. هنا يتجسد "النصر الناجز"، حيث تتحول النتائج العسكرية من مجرد أرقام في سِجلات الأركان إلى واقع سياسي يعيد تشكيل المستقبل..
التلازم الحتمي: القوة تحمي الحق.. والسياسة تُثبته
لا يمكن الفصل بين النوعين؛ فالمفاوض الذي لا يستند إلى قوة ميدانية هو "خيال مآتة" لا يملك أوراق ضغط، والقائد العسكري الذي يرفض السياسة هو "مغامر" يهدر تضحيات جنوده في فراغ سياسي..
الخلاصة:
إن المعنى الحقيقي للنصر ليس في "مَنْ يطلق الرصاصة الأخيرة"، بل في "مَنْ يملي السطر الأخير" في معاهدة السلام.. فالانتصار العسكري هو "الوسيلة"، والانتصار السياسي هو "الغاية".. وبدون الغاية، تصبح الوسيلة مجرد تدمير متبادَل لا يحقق أمناً ولا يصنع تاريخاً.
|