عبدالسلام الدباء* - هل يمكن لحركة خفية، لا تُرى بالعين، أن تُشعِل حرباً بين أطراف كانت تعيش في هدوء تام؟.. تجربة بسيطة بالنمل تقدّم لنا إجابة صادمة؛ فعندما تُجمع مائة نملة سوداء مع مائة نملة حمراء داخل وعاء زجاجي، لن يحدث شيء وسيبقى كل شيء ساكناً.. إلى أن يتدخل عامل خارجي ويهزّ الوعاء بعنف..
عندها فقط، يتحول السكون إلى معركة، ويبدأ كل طرف في اعتبار الآخر عدواً، بينما يغيب عن الجميع أن العدو الحقيقي هو مَنْ حرَّك الفوضى من الخارج..
هذه الصورة ليست مجرد حكاية عابرة، بل انعكاساً دقيقاً لواقع إنساني يتكرر كل يوم.. كم من علاقة انهارت، وكم من صداقة تلاشت، وكم من أسرة تفكَّـكت، ليس بسبب خلاف حقيقي، بل نتيجة تَدخُّل خارجي خفي أشعل فتيل الشك وأعاد تشكيل المواقف على أساس زائف..
فالكلمة حين تُحرَّف، والنقل حين يُشوَّه، قد يكونان أخطر من أي خلاف مباشر.. ففي البيوت، تتسلل النميمة بهدوء، فتزرع بذور الفرقة بين الإخوة، وتحوّل المودة إلى حذر دائم.. وبين الأصدقاء، قد تكفي جملة مبتورة لتقويض سنوات من الثقة.. أما بين الأزواج، فإن شائعة صغيرة قد تكبر حتى تصبح جداراً فاصلاً يصعب تجاوزه.. وفي كل هذه المشاهد، يتكرر السؤال الغائب: هل ما نراه هو الحقيقة، أم مجرد انعكاس لهزة خفية لم ننتبه لها؟..
إن إدراك وجود هذا “المحرّك الخفي” يمنحنا فرصة للتفكير قبل الانفعال، وللتثبُّت قبل الحُكم.. فليس كل ما يُنقَل صادقاً، وليس كل ما يُقال يستحق أن يُبنى عليه موقف.. الحوار المباشر، والتماس الأعذار، وحُسْن الظن، تمثّل جميعها أدوات فعالة لإبقاء “وعاء العلاقات” ثابتاً في وجه محاولات العبث..
المجتمعات المتماسكة لا تخلو من الخلاف، لكنها تمتلك وعياً يَحُول دون تحوُّله إلى صراع مدمّر.. وهذا الوعي يبدأ من الفرد، حين يرفض أن يكون أداة في يد مَنْ يجيدون صناعة الفِتن، أو وقوداً لنارٍ لا يعرف مصدرها.. وفي خِضَم كل خلاف يطرأ، يبقى السؤال الأهم الذي قد يغيّر مجرى الأحداث بالكامل: مَنْ الذي هزّ الوعاء؟.. وهل كنا مجرد ضحايا في لحظة انفعال.. أم شركاء في تضخيمها دون أن ندري؟
وفي الأخير، قد لا نستطيع منْع الآخرين من محاولة إثارة الفتن، لكننا نستطيع أن نختار كيف نستجيب.. فإما أن نكون كالنمل الذي ينشغل بالقتال، أو كالعقل الواعي الذي يبحث عن الحقيقة خلف الضجيج..
وختاماً.. بقي أن نقول: تُرى.. كم من “وعاء” في حياتنا اهتزّ دون أن ننتبه لمَنْ كان يدفعه ؟!
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|