الميثاق نت -

الإثنين, 27-أبريل-2026
عبدالرحمن بجاش -
عندما أقرأ لأروى عثمان يعتريني إحساس بأني أستمع لجريان ماء وادي الجنات من ذلك الينبوع الذي لا يزال يتدفق من لحظة أنْ فتحنا أعيننا عليه..
وكلما أوغَلْتَ في القراءة ظهر أمام ناظريكَ طير اليَـبْـيَب بلونه الأصفر، والسغنغوة وأم العشرين والحمام البري العيل والعناصر "العصافير" كما نسميهن في قُرانا من قَدَس إلى الأعبوس إلى سوق الصميل..
سيل مداحص يتدفق بعد كل مطرة من ذبحان إلى المداحج، ارتطام الماء بصخور الجبل يذكّـرني بصوت أروى عندما يرتفع.. يظل السيل سيلها يتدفق كلمة.. صورة من كاميرا عتيقة كشراب العنب.. كـعَرف الفل في بستان الحسيني حيث الشرح والدلال.. ويا ساري سرى الليل..

في مقدمة الكتاب الجميل أو قُلْ ذلك البستان الذي احتوى على كل الأزهار والورود، تقول أروى في مدخل بستان "فلكلوريات عدن" :

لماذا عدن ؟
لأن عدن البداية والمنتهى
المبتدأ والخبر
بالنسبة لليمنيين بدوهم وقبائلهم والحَضَر..
فيها عرفوا البحر، ومنها دروا أن هناك دنيا وراء البحر يوم أنْ كنا لا ندري ما وراء الجبل !!
يقول حرفها أو تقول كلمتها ويقول ما أبدعت :
ذات يوم، ونحن أطفال، وبينما كنا نعبث بغرفة جارتنا مع صغيرتها، هالنا ما أخرجته صغيرتها من دولاب أمها.. فستان أخضر صغير ومُميَّز عن بقية ملبوسات أمهاتنا تماماً وروج أحمر - أحمر شِفاه - وبعض الاكسسوارات المذهلة، وجورب "شراب" جسمي خفيف.. ولما ظهر التلفزيون في دُنيانا، فيما بعد شاهدنا الممثلات الأوروبيات يظهرن بتلك الملابس في أفلام الخمسينيات والستينيات، ومثلما أحدثت تلك الملابس الرقيقة صدمة لطفلة تعيش حياة تقليدية، أحدثت أيضاً صورة أقاربي - وزوجته - يتناولان شاهي الخامسة في "فراندا" - نحن في تعز كنا نقول "برندة" - وعلى كراسي الخيزران وهما في أوْج تجلّيات الحب، والأناقة في الملبس وتسريحة الشعر..
وعلى ظهر الصورة كانت الكتابة التالية : ساعة الشاهي الخامسة - عدن - 1960م ..
لقد جلبها أبي لأمي من عدن.. قالت صديقتي وأنا أتأمل تلك الملابس والذهول يأسرني، وعرفت بعد ذلك أن جارنا ليس هو فقط مَنْ كان يجلب تلك الملابس على أحدث خطوط الموضة، بل كان جُلّ "المعدنيين" إلى مناطق الشمال يفعلون ذلك، حيث يقتنونها من أفخم المحلات التي كانت تغص بها عدن آنذاك وخصوصاً في التواهي..
وكان تدهشنا وتبهرنا وتُحيّرنا حقيقة أن الأسر التي نزحت إلى عدن تختلف عنا ليس فقط في نمط الاستهلاك مأكلاً ومشرباً ومسكناً، بل وفي نمط التفكير.. ومما له دلالة خاصة وعميقة أن تلك الأسر كانت سبَّاقة في تعليم بناتها، بل وسفرهن إلى أرقى الجامعات الغربية للحصول على التعليم الجامعي وما بعده..
ربما جاءت فكرة الاحتفاء بعدن لما حملته الذاكرة الصغيرة لذلك اليوم لرؤيتنا تلك الملابس والصورة، اختزنتها أعماق الوجدان ولم تشتعل إلا بعد قيام بيت الموروث الشعبي في أواخر 2004م الذي أفسح لنا المجال للمغامرة في محاولة عبر (ذاكرة الآتي) لاستنطاق عدن عبر الصورة الفوتوغرافية ولإعادة اختراع أرض "المشموم" والبخور والعطور والبحر والأُنس الذي نفتقده، وكان المطعم والمسجد والكنيسة، والمعبد والأزقة الدافئة والأسواق والطرقات، والحيوات المختلفة التي ذوَّبتنا معها ونحن نبحر في تفاصيلها..
كانت عدن ذلك المختلف سيّد الحياة وكانت الحياة أجمل.. يكتنفها بحر يتسع للجميع..
من هنا كانت بل جاءت فكرة بيت الموروث الشعبي في التعريف بعدن في صنعا، وصنعاء في المهرة، والمهرة في ذمار.. الخ.. حُلُمّ سنحاول تحقيقه، وقد تحقَّق بعدن فاتحة المدن ورِيق الحياة، والهدف من ذلك أن نتعرف على بعضنا أكثر عبر الأغنية والرقصة والكتاب والصورة..
من خلال النزول الميداني لكثير من مناطق بلادنا وجدنا ذاتنا مُغيَّبة عن أنفسنا وعن بعضنا أيضاً.. نَـعَم نجهل بعضنا إلى حَد كبير وعميق، وإنْ عرفنا فإن هذه المعرفة تنطوي على قدرٍ من المسخ والتشوُّه..
تواصل أروى تدفُّقها والحنين يأكل الروح ندماً :
في هذا المسعى كانت عدن نقطة الانطلاق والبداية، ومستقبلاً - يكاد يكون ضاع الآن - وإذا ما لقينا الأيادي الداعمة سنحتفي بالتعريف والتعرُّف على التفاصيل الإنسانية والفلكلورية لمدينة أخرى..
أروى عثمان.. بيت الموروث الشعبي
أغسطس 2007م، هنا أنا أتوقف عن نقل ما كتبته لأنتقل إلى موجة أخرى، إلى صِيرة لأقرأ وأنقل لكم دفق هشام علي بن علي العاشق والناتج الطبيعي لعدن، مثله مثل فُل الحسيني.. يقول هشام واصفاً عدن :
هل يبدأ مركز مدينة عدن من حدود البحر ويتجه نحو الجبل الذي يحاصرها، أم أنه ينزل من الجبل في اتجاه البحر.. في الحالتين تبدو عدن أرضاً أفقية محصورة بين الجبل والبحر.. الماء أُفُقٌ ممتد لليابسة، أُفُقٌ لاينتهي، ليس له حَد.. والجبل معراج نحو السماء.. في هذا الفضاء المتعامد يسكن المُطلَق، إذا كان ثمة أرض للمُطلَق فهي أرض عدن، كيف وصل أهلها إلى هذه القسمة الضيّقة مساحة المُطلَق فضاء؟.. هل جاءوا من وراء البحار، أم نزلوا من السماء ؟!.
كلمة أقول وقد جلت في كتاب بيت الموروث الشعبي عنها :
يا قهري يا عدن
أعيدوا قراءة كتاب أروى وبيتها :
فلكلوريات عدن.. فضاء للتعايش، الانفتاح، المحبة والجمال..
اقرأوا عن عدن التي كانت.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68768.htm