الميثاق نت -

الإثنين, 15-يونيو-2026
السفير أحمد لقمان -
في حياة الشعوب لحظات فارقة لا يكون فيها التحدي الأكبر هو حجم الأزمات، بل القدرة على الارتقاء فوقها. واليمن اليوم يقف أمام واحدة من أهم هذه اللحظات؛ لحظة تتطلب من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية أن تنظر إلى الوطن بعين المسؤولية التاريخية، لا بعين المنافسة الضيقة أو المكاسب المؤقتة.
لقد عانى اليمن سنوات طويلة من الصراع والانقسام والتجاذبات التي استنزفت موارده وأضعفت مؤسساته وأثقلت كاهل مواطنيه. وبينما انشغل الجميع بإدارة الخلافات، كانت معاناة المواطن تتسع، وكانت فرص التنمية تتراجع، وكانت أحلام الأجيال القادمة تتعرض للمزيد من التآكل.
واليوم، أصبح من الضروري أن تدرك النخب المتصدرة للمشهد أن اليمن لا يحتاج إلى منتصرين على بعضهم البعض، بقدر ما يحتاج إلى منتصرين له. فالوطن لا يكسب عندما يخسر أحد أبنائه، ولا ينهض عندما تتحول السياسة إلى معركة دائمة لإقصاء الآخر أو إزاحته من المشهد.
ومن هذا المنطلق، تبرز خمس أولويات وطنية في اعتقادي تستحق أن تكون بوصلة المرحلة القادمة:

أولاً: اجعلوا اليمن فوق الجميع.
فالأوطان لا تُبنى عندما تتقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة، ولا تستقر عندما تصبح الانتماءات الضيقة بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة. إن أعظم ما يمكن أن تقدمه أي نخبة لبلدها هو أن تجعل من اليمن القضية الكبرى التي تتقدم على كل القضايا الأخرى.

ثانياً: انتقلوا من التنافس على السلطة إلى التنافس في خدمة الوطن.
لقد أثبتت التجارب أن السعي المستمر لإزاحة الآخر أو إضعافه لم ينتج استقراراً ولا تنمية، بل أعاد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة. وما يحتاجه اليمن اليوم ليس عقلية المغالبة، بل ثقافة الشراكة. فالوطن يتسع للجميع، ومستقبله لا يمكن أن يُصنع بعقلية الإقصاء، وإنما بروح التعاون والتكامل واحترام التنوع. إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع لم يعد: من ينتصر على الآخر؟ بل: كيف ينتصر اليمن؟

ثالثاً: اجعلوا المواطن محور القرار وغاية السياسات.
فالمواطن اليمني لا ينتظر المزيد من الخطابات، بل ينتظر حياة كريمة، وفرصة عمل، وتعليماً جيداً، وخدمات أساسية، وأمناً واستقراراً يبعثان الطمأنينة في نفسه وفي أسرته. إن نجاح أي قيادة يُقاس بما تحققه للناس من تحسين في حياتهم اليومية، لا بما تحققه لنفسها من مكاسب سياسية.

رابعاً: ابنوا مؤسسات قوية تحفظ الدولة وتصون الحقوق.
فالأشخاص مهما بلغت مكانتهم يرحلون، أما المؤسسات العادلة فتبقى. والدول المستقرة لا تقوم على النفوذ الفردي، بل على سيادة القانون وكفاءة الإدارة وعدالة الفرص والمساءلة والمسؤولية. وكل استثمار في بناء المؤسسات هو استثمار مباشر في مستقبل الأجيال القادمة.

خامساً: راهنوا على الشباب والكفاءات وصناعة المستقبل.
إن الثروة الحقيقية لليمن ليست في موارده الطبيعية فحسب، بل في أبنائه وبناته وما يمتلكونه من طاقات وإمكانات وقدرات. وكل مشروع وطني لا يفتح الأبواب أمام الكفاءات والشباب للمشاركة في صنع القرار وبناء التنمية، هو مشروع يحرم نفسه من أهم عوامل النجاح والاستمرار.
أيها المتصدرون للمشهد اليمني، إن التاريخ لا يتذكر حجم النفوذ الذي امتلكه القادة، بل يتذكر الأثر الذي تركوه في حياة شعوبهم. ولا يخلد أسماء من تنازعوا على المواقع، بل يخلد أسماء من حافظوا على الأوطان ووحدوا الصفوف وصنعوا مستقبلاً أفضل لأبنائهم.
واليوم، تقف أمامكم فرصة تاريخية لصناعة تحول حقيقي في مسار اليمن؛ تحول يبدأ بتغيير طريقة التفكير قبل تغيير الواقع، والانتقال من عقلية الإقصاء إلى عقلية الشراكة، ومن منطق الغلبة إلى منطق التوافق، ومن إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل.
إن أعظم إرث يمكن أن تتركه النخب اليمنية للأجيال القادمة ليس انتصار طرف على آخر، بل انتصار اليمن على أزماته، وانتصار المواطن على معاناته، وانتصار الأمل على الإحباط.
فاليمن يستحق أن يكون أكبر من خلافات أبنائه، وأغلى من مصالحهم، وأبقى من مواقعهم. وما تزال الفرصة قائمة، وما يزال المستقبل ممكناً، إذا صدقت النوايا، وتوحدت الإرادات، واجتمع الجميع حول هدف واحد: بناء دولة عادلة ومستقرة ومزدهرة تليق بالشعب اليمني، وتمنح أبناءه وأحفاده مستقبلاً أكثر أمناً وكرامة وازدهاراً.
رسالة إلى النخب المتصدرة للمشهد اليمني اتمنى التوقف عندها علَها تنتشل وطننا من معاناته وتكون مخرجاّ من أزماته .
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68993.htm