الميثاق نت -

الأحد, 21-يونيو-2026
عبدالسلام الدباء * -
حين يمرُّ بنا عامٌ هجريٌّ جديد، لا أراه مجرد رقمٍ يتسلل ببرود إلى تقاويمنا المعلَّقة على الجدران، أو طقساً سنوياً نكرّر فيه الخُطَب ذاتها بذات النبرة الرتيبة.. إنني أشمُّ في هذه الذكرى رائحة غبار الطريق الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وآله وسَلَّم؛ ذلك الغبار الذي لم يكن رحلة هروب من مكة، بل كان انطلاقةً واثقةً نحو فجرِ بناءِ دولةٍ غيَّرت وجه التاريخ.. كانت هجرةً من الخوف إلى الأمل، ومن شتات الفرقة إلى تَماسك الجماعة، ومن وهن الضعف إلى عِزة البناء.. واليوم، ونحن نقف في منتصف هذه المسافة الوعرة من عمر أمتنا، تبدو المفارَقة مؤلمة؛ فبينما نترنم بقدسية الهجرة، نعيش نحن في عزلةٍ شعوريةٍ خانقة، وكأننا ما زلنا عالقين في رمالِ الماضي، نراقب الزمن وهو يمضي تاركاً إيانا في "مسرحية رديئة" من الخلافات المفتعَلة.. ما أكثر الأسوار التي بنيناها بيننا!.. حواجز من سوء الظن والمصالح الضيّقة، جعلت اليمنيّ يمرُّ بجانب أخيه في شارعٍ واحد، في مدينةٍ واحدة، وكأن بينهما بحاراً ومسافاتٍ لا تُـقطع..
أحياناً، أتساءل بمرارة: هل ضاقت الجغرافيا أم ضاقت النفوس؟.. لقد استبدلنا جسور المحبة بمتاريس من الجفاء، وصار البعض يرى في "الآخر" عدواً يتربص، لا شريكاً في وطنٍ أنهكه الانتظار.. إننا نحتاج اليوم إلى "هجرةٍ كبرى" من دهاليز الخصومة إلى رحابة المصالَحة، ومن الأنا المتضخّمة التي تدلّـل ذاتها على حساب بؤس الناس، إلى الـ "نحن" التي تتسع للجميع.. ماذا لو نهض أجدادنا اليوم، أولئك الذين صاغوا قِـيَم التكافل في المدينة المنورة، ليروا كيف تَـعطلت عجلة حياتنا البسيطة؟.. ما الذي سيقولونه لنا ونحن نغرق في جدلٍ بيزنطي، بينما المواطن يقتاتُ القلق على مرتباتٍ حبيسة، ويحلم باستقرارٍ يتسرب من بين أصابعه؟.. إن العدل ليس شعاراً يُعلَّق في المحافل، بل هو أمْنٌ يطمئن إليه المواطن، وحقٌ يُرد إلى أهله، وحياةٌ كريمةٌ تُبنى بسواعد الجميع.. لا تُبنى الأوطان بالخلافات الطويلة التي تستنزف أعمارنا، بل تُبنى حين نعتصم بحبل الله، لا بحبالِ أهوائنا المتنافرة.. نحن هنا، وأرواحنا تفـتّش في صفحات الهجرة عن ذلك الدرس الذي لم نستوعبه بعد: أن المستقبل لا يصنعه المنتصرُ على أخيه، بل يصنعه المتعاونُ معه.. اليمن الذي نحلم به، ذلك الذي يتسع لجميع أبنائه كما تتسع السماء لكل الطيور العائدة، لن يولد من رحم التنافر.. إننا بحاجةٍ إلى شجاعةٍ أدبيةٍ لكسر هذا الصمت، ولنقول كلمة الحق التي تفتح دروب التنمية والبناء، بدلاً من تكريس هذا العبث الممُوَّل بالخيبات..
كل عام واليمن بخير، ليس كدعاءٍ عابر، بل كإرادةٍ حقيقيةٍ للسلام والوئام.. يبقى السؤال الذي يطرق أبواب القلب، كما يطرق المطرُ النافذة في ليلةٍ شتائيةٍ موحشة: متى نهاجر فعلاً من ذواتنا المنغلقة إلى وطنٍ يتسع للجميع؟.. متى نتوقف عن هجران بعضنا، لنعود بوطنٍ يليق بتضحيات الناس وأحلامهم المؤجَّلة؟

* مستشار وزارة الشباب والرياضة
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:36 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69026.htm