الميثاق نت -

الأحد, 28-يونيو-2026
إبراهيم ناصر الجرفي -
دائماً وأبداً وفي كل زمان ومكان ينقسم البشر في تفسيرهم للوحي الإلهي إلى مذاهب وفِـرَق وطوائف؛ لكل منها أفكارها الفلسفية وأهدافها السياسية، وكل طرف يسعى من خلال ذلك إلى إثبات صوابية منهجه الفلسفي والسياسي، ولو تَرتَّب على ذلك تجريف وتحريف الوحي الإلهي، وبناء منهج ديني بعيد كل البعد عن المنهج الرباني القويم (الصراط المستقيم)، في حالة تعكس تقديم البُـعد المصلحي والنفعي عن البُـعد الروحاني والأخلاقي، وتُـظهِر استغلال البشر للدين والمتاجَرة به لتحقيق مصالح سياسية وأطماع سلطوية، ليجد الإنسان المفكر والواعي نفسه في حالة من التناقض بين ما يجب أن يكون وما هو كائن بالفعل على أرض الواقع، بين مثالية وروحانية وعالمية وإنسانية وإيجابية الوحي الإلهي، وبين واقعية ومادية وعنصرية وسلبية بعض التفسيرات البشرية، ومنها على سبيل المثال التي تشرّع لصناعة الفوارق بين البشر، من خلال منْح جماعات وفئات بعينها دون غيرها الكثير من المميّزات الوراثية والسياسية، وهو ما يُعرف بعملية التمييز العنصري والطبقي، أو تلك التفسيرات التي تشرّع توريث الدين في نطاق فئوي أو أسري، والتوريث أمر معروف عن البشر، لكن لم يكن يخطر على البال أن يصل الحال ببعض الفِـرَق والطوائف إلى توريث الدين وجعله من ضمن الأشياء التي تُورَّث من جيل إلى جيل في نطاق محدود.. وفكرة التوريث الديني لها هدف سياسي وسلطوي، فتوريث الدين يمنح صاحبه بشكل تلقائي الحق في التوريث السياسي والسلطوي، وهو ما يُعرف بمفهوم احتكار السياسة والسلطة باسم الدين..!!
وبذلك فإن الفِـرَق والطوائف والمذاهب الدينية في كل زمان ومكان ليست أكثر من أحزاب وجماعات سياسية لها أهداف وأطماع سلطوية، وهو ما يُعرف بمفهوم التسلُّط والهيمنة باسم الدين أو تحت غطاء الدين.. لقد حوَّل البشر الأديان إلى ميدان مفتوح للصراع السياسي والسلطوي، عن طريق التخندق خلف المذهبية والطائفية؛ والمؤسف في الموضوع هو قيام بعض فقهاء تلك المذاهب والطوائف بتفسير الوحي الإلهي وفق الرغبة السياسية التي تدعم التوجُّه السياسي للسلطة الحاكمة، وتسخير الكثير من التشريعات والأحكام الدينية في خدمة السياسة والسلطة، وهو ما يُعرف بالتفسير السياسي للوحي، بل لقد وصل الحال ببعض الفِـرَق والطوائف إلى استغلال الطقوس والمناسبات الدينية والتعـبُّدية في شرعنة أهدافها السياسية وأطماعها السلطوية، في حالةٍ تعكس طغيان الكثير من البشر ونفاقهم وفسادهم.. والدافع لكل ذلك هو الفكر المصلحي والنفعي المسيطر على النفس البشرية (الأمَّـارة بالسوء).. وأكثر مَنْ يمارس تلك الأفعال والأعمال عادةً هم المتظاهرون بالتديُّن؛ فكَـهَنة المعابد قديماً وكَـهَنة الكنائس في العصور الوسطى هم مَنْ كانوا يقومون بتلك الأفعال، وهؤلاء الكَـهَنة موجودون في كل زمان ومكان تحت مسميات مختلفة؛ وكل مَنْ يستغل الدين في خدمة السياسة والسلطة هو كاهن سياسي، بغض النظر عن المسميات الشائعة في كل ديانة..
وما أكثر الكَـهَنة السياسيين في كل زمان ومكان، وهم أنفسهم مَنْ يفسّر الوحي الإلهي وفق رؤية سياسية وسلطوية معينة، وهم أنفسهم مَنْ يقومون بالتعبئة الفكرية والسياسية وفق أيديولوجيا معينة للأجيال البشرية، وهم أنفسهم مَنْ يصنعون التطرُّف والتشدُّد والإرهاب، وهم أنفسهم مَنْ يسوقون البسطاء من الناس إلى محارق الموت في سبيل الدفاع عن السلطة والسلطان، وهم أنفسهم مَنْ يكفّرون ويبيحون سفك دماء كل مَنْ يعارض أفكارهم السياسية وأطماعهم السلطوية.. وأسوأ أنظمة الحكم في تاريخ البشر هي الأنظمة الكهنوتية، وأسوأ فترات حياة البشر سوداويةً هي الفترات التي يكون الكاهن السياسي هو الحاكم (العصور الوسطى في أوروبا أنموذجاً)، فهو يحكم باسم الإله، ويطغى ويقتل ويفسد ويظلم ويسفك الدماء باسم الإله.. وما أسوأ ممارسة تلك السلبيات والجرائم باسم الإله، في حالةٍ توضّح مدى تشويه الفكر المصلحي والنفعي البشري لصورة الإله في كل زمان ومكان؛ من أجل ذلك أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلغة مبسَّطة وميسَّرة للفهم، لقطع الطريق أمام التفسيرات السياسية والسلطوية للوحي الإلهي الذي كان سائداً خلال الأديان السابقة؛ ورغم كل ذلك إلا أن الفكر المصلحي والنفعي البشري قد دفع بالبعض إلى تفسير القرآن الكريم وفق رؤى سياسية وسلطوية، تَرتَّب عليها ظهور مذاهب وفِـرَق وطوائف تدَّعي كل منها الحق في السلطة والحُكم، وتدَّعي أفضليتها وتَميُّزها عن بقية البشر، وتمنح نفسها الصلاح والتقوى، وما دونها هو الكفر والضلال.. وبذلك كان ولا يزال وسيظل الفكر المصلحي والنفعي البشري هو العدو الأول للأديان ولكل ما هو إيجابي في حياة البشر.. وكانت ولا تزال وستظل الكهانة السياسية هي أبشع وأسوأ ما أنتجه هذا الفكر.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 02:37 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69046.htm