
|
|
| |
|
حاوره/ رئيس التحرير - في ظل تباين الأفق السياسي، وتفاقم الانقسام الوطني، وتآكل الثقة بين أطراف الصراع في اليمن، تبدو الحاجة اليوم ماسة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى عقول تمتلك رؤية تتجاوز الانقسام إلى مشروع وطني جامع..
ومن هذه الأصوات يأتي اسم الأستاذ الدكتور حمود العودي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، والمفكّر والأكاديمي المعروف بقراءاته العميقة في بنية المجتمع اليمني، وبمواقفه الوطنية التي تنحاز للوطن..
ومنذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب عام 2015م، تصدَّر الدكتور العودي صفوف الساعين إلى السلام، مؤمناً بأن الحروب لا تطفئها البنادق بل الإرادات الواعية، فأسس في منتصف الحرب، التحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية، جامعاً في إطاره نخباً فكرية واجتماعية وسياسية وازنة من مختلف الأطياف، بهدف بناء جبهة مدنية قادرة على كسر منطق الحرب وإحياء فكرة الدولة..
وبجهد متواصل ووعي استراتيجي نادر، ترأس الدكتور العودي الهيئة التنسيقية للتحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية، التي ظلت – على مدى السنوات الماضية – واحدة من أبرز المنصات الوطنية التي دعت للحوار والمصالحة، وقدمت مبادرات متتالية لتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع..
ومن موقعه الأكاديمي والفكري، ظل الدكتور العودي ينصت لنبض المجتمع، ويقرأ التاريخ بعين العالم لا المتحيّز، مدافعاً عن قِـيَم التعايش والهوية الجامعة، مؤمناً بأن السلام لا يولد من صفقات القوى، بل من مصالحة الضمير مع ذاته، ومن وعي جمعي يعيد للإنسان اليمني كرامته ولمجتمعه توازنه.. له إسهامات علمية وفكرية مرجعية في تحليل البنية الاجتماعية اليمنية، والمشارك في عدد من المؤتمرات الوطنية والإقليمية المعنية بالسلم الأهلي وبناء الدولة..
وانطلاقاً من هذا الدور الوطني والفكري، وتزامناً مع مؤشرات إقليمية ودولية تتحدث عن انفراج للأزمة، كان لصحيفة «الميثاق» شرف إجراء هذا الحوار مع الدكتور حمود العودي؛ حوار يتجاوز الأسئلة المباشرة إلى قراءةٍ عميقةٍ في جوهر الأزمة اليمنية، وبنية الحل الممكن، ورؤية المثقف لدور الدولة والمجتمع في إعادة بناء الوعي الوطني.
• بدايةً، دكتورنا القدير، كيف تقيّمون الوضع الراهن الذي تمر به البلاد، وما إذا كان يحمل في طياته مؤشرات الانفراج للأزمة؟
-الوضع الراهن في اليمن للأسف الشديد هو حالة هشّة من «تراكم التناقضات البنيوية»، ليس مجرد تلازم لحروب متقطعة أو توزيع للسيطرة، بل تفكُّـكاً في مشروعية الدولة، وتآكلاً في شبكة الخدمات الاجتماعية، وشرذمةً في الزعامة التي كانت وما زالت تحرّك الموقف الوطني.. هذا التفكك يرافقه ضغط إقليمي ودولي يتبدل بين محاولات احتواء، ومسارات رقابية على الممرات البحرية، ما يرسّخ مناخاً إقليمياً لا يسهّل انفراجاً داخلياً سريعاً.. ومع ذلك تظهر مؤشرات تهدئة جزئية وهشة – تفاهمات مؤقتة، تهدئة في بعض الجبهات، وأحياناً خطوات إنسانية – لكنها مؤشرات لا تتحوّل إلى انفراج هيكلي إلا إذا ارتبطت بآليات تنفيذية واضحة، جداول زمنية، طرف ثالث ضامن، خارطـة لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية (رواتب، نفط، موانئ، كهرباء)، بالإضافة إلى برامج لإعادة إدماج المجتمعات المحلية المتضررة.. دون هذه الأدوات، تبقى أي «مبادرة تهدئة» عرضةً للانقلاب أو الاستغلال السياسي..
وثمة هنا «نافذة فرصة» – وليست ضمانة – تتكون من تراكم الضغوط الإنسانية، وخوف الفاعلين الإقليميين من تفجير أوسع يعيد رسم حسابات الأمن البحري والاقتصادي.. إن استغل الفاعلون المحليون هذه النافذة ببناء صيغة تفاهم تدريجية، وتبدأ بإجراءات فورية قابلة للقياس (إطلاق محتجَزين، سلوكيات انسحاب محدَّدة، دفعات رواتب مرحلية، فتح ممرات إنسانية)، وتدرّج إلى مفاوضات أوسع حول المؤسسات والحوكمة والانتقال السياسي، فسنكون أمام احتمال حقيقي لانفراج قابل للمراقبة والتنفيذ.. أما إنْ أُهملت هذه الشروط، فإن الهشاشة الراهنة ستتعمق، وستتحول النافذة إلى فخ زمني يرفع كلفة الحل لاحقاً وربما يفضي إلى تصعيد إقليمي لا أحد يريده..
• هناك مشاورات خارجية بمسقط، تهدف إلى حل الأزمة.. في نظركم ما الذي ينبغي على أي مشاورات جديدة أن تتحلى به من رؤى جديدة؟
-في تقديري.. لا جدوى من أي جولة جديدة من المشاورات ما لم تنطلق برؤية مغايرة جذرياً في منهجها وطبيعتها.. فالأزمة اليمنية ليست مجرد صراع سياسي بين أطراف متنازعة على سلطة، بل هي – في جوهرها – انهيار في منظومة العلاقات الوطنية والإقليمية والدولية التي كانت تشكل بنية الاستقرار في البلاد.. وأي مفاوضات جادة لا بد أن تُبنى على ما أسميه «منهج تفكيك النظام»؛ أي قراءة الأزمة باعتبارها شبكة معقدة من المصالح والمخاوف والارتباطات العابرة للحدود لا مجرد نزاع داخلي يُحلّ بتقاسم المناصب..
لذا.. فإن أول ما ينبغي أن تتحلى به أي مشاورات جديدة هو الوضوح في خريطة المصالح؛ إذ لم يعد الغموض حول ما يريده كل طرف سوى عقبة مركزية تُبقي المفاوضات رهينة التأويل والريبة.. المطلوب أن تُعلن بجرأة الخطوط الحمراء، والأولويات القابلة للتفاوض، ومجالات التعاون الممكنة لأن المفاوضات الحقيقية لا تُدار في الظلال..
كما أن البناء المؤسسي يجب أن يكون محورياً عند أي مفاوضات؛ فالتفاهم السياسي بلا إعادة تشغيل للخدمات العامة –من رواتب وكهرباء ونفط ومنافذ– هو اتفاق بلا مضمون اجتماعي، وبالتالي بلا قدرة على الصمود.. والشرط الأول لأي تسوية حقيقية هو عودة «الوظيفة العامة» كجسر بين الدولة والمجتمع..
أما الضمانات.. فلا يكفي أن تكون وعوداً أو بيانات حُسْن نية، فنحن بحاجة إلى آليات تنفيذ متعددة الأطراف، ترتكز إلى جداول زمنية محددة وجهات رقابة محايدة، وأدوات حوافز وعقوبات لضمان الالتزام.. من دون ذلك –باعتقادي– سيظل الاتفاق حِبراً على ورق، كما شهدنا في تجارب سابقة حين غابت أدوات المتابعة والرقابة الفاعلة..
وأخيراً.. لا بد من قدْرٍ من المرونة الاستراتيجية التي توازن بين ضرورات العدالة ومتطلبات المصالحة؛ بحيث لا تتحول أي تسوية إلى انتقام مؤجل ولا إلى تنازل مُذل.. فالنجاح هنا لا يُقاس بصرامة المواقف بل بقدرتها على إنتاج توافق مستديم يتيح استعادة الدولة والمجتمع معاً..
فالمشاورات.. حين تُبنى بهذه الروح، لا تكون لقاءً بروتوكولياً جديداً فحسب، بل عملية تحوُّل حقيقية تنقل الأزمة من مربع الجمود إلى أفق الحل، وتحوُّل «النية السياسية» إلى واقع قابل للحياة.
• هل يعني ذلك أن تحقيق هذا الانفراج مرتبط بمدى استجابة القوى الإقليمية؟
-بلا شك.. إن الحديث عن أي انفراج حقيقي في الأزمة اليمنية لا يمكن فصله عن محدّدات التفاعل الإقليمي؛ فالقوى الإقليمية اللاعبة في اليمن، لم تعد مجرد متغيرات «خارجية» بالمعنى التقليدي، بل أصبحت جزءاً بنيوياً من معادلة الصراع نفسه، في دوافعه وفي امتداداته، وفي نتائجه أيضاً.. واليمن بحكم موقعه الجيوسياسي ومكانته في منظومة الأمن العربي والإقليمي؛ يقع عند تقاطع مصالح استراتيجية متشابكة خاصةً السعودية والإمارات وإيران.. فضلاً عن القوى الدولية التي ترى في هذا الصراع اختباراً لتوازناتها الكبرى في البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي..
من هنا.. فإن أي حل وطني لا يمكن أن ينجح في عزلة عن هذه الاعتبارات.. كما لا يمكن له أن يقوم على التبعية المطلقة له.. المطلوب هو بناء استراتيجية ضبط إقليمي تعيد تعريف دور الفاعلين الخارجيين من موقع الهيمنة إلى موقع الوساطة المنظَّمة؛ وساطة تُدار بمنطق المصالح المشترَكة لا منطق إدارة النفوذ والسيطرة.. وهذا التحوُّل ممكن وضروري في آن واحد إذا ما أُحسن توظيف عناصر الالتقاء بين الأمن الإقليمي ومصالح الاستقرار اليمني.. أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، ومكافحة الإرهاب، وتأمين طرق الطاقة، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، التي تحوّل الحرب إلى مصالح تنموية متبادلة..
وبالتالي فإن المسألة في جوهرها ليست أن القوى الإقليمية «تسمح أو لا تسمح» بالحل.. بل أنْ تتوفَّر إرادة عقلانية لإعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج، على قاعدة المصالح المتوازنة.. ذلك لأننا نؤكد في أدبياتنا الصادرة عن التحالف المدني، أن اليمن المستقر ليس تهديداً لأحد كما يظنون، بل ضمانة حقيقية لأمن المنطقة واستقرارها.. وبالتالي على القوى الإقليمية أن تدرك أن استمرار تفكك اليمن لن يُبقيه ساحة مفتوحة لصراع لا ينتهي فحسب، بل سيجعل كل الأطراف خاسرة بالنتيجة وبالتحديد الجوار..
وعليه.. فإني أرى أي استجابة من القوى الإقليمية ليست مجرد شرط سياسي، بل مقوّماً استراتيجياً لنجاح أي تسوية؛ وشريطة أن تتحول هذه القوى من «فاعلين ميدانيين» إلى «رُعاة سلام» ذوي مصلحة في إنهاء النزاع؛ عندئذٍّ فقط يمكن الحديث عن انفراج حقيقي متكئ على توافقات إقليمية تُفسح المجال أمام الحل الوطني يولد ويعيش في بيئة أكثر استقراراً واتزاناً..
• السياسة هي فن الممكن.. ما الذي ينبغي على مختلف الأطراف القيام به لبلورة هذا الفن إلى الواقع؟
-السياسة، في جوهرها، ليست شعارات أو نوايا طيبة، بل فنّ تحويل الممكن إلى واقع، والممكن هنا لا يُصنع بالصدفة، بل ببناء هندسة دقيقة من التوازنات والمصالح والإرادات.. في الحالة اليمنية هذا الفن لا يمكن أن يُمارس إلا عبر إعادة تعريف أدوار جميع الأطراف وفق مسؤوليات واضحة ومتدرجة..
على الحكومة والسلطة المعترَف بها أن تبدأ أولاً بإعادة ترتيب أولوياتها الوطنية؛ فبدون أمن مستقر للعاصمة والمناطق الحيوية، ودفْع منتظم للرواتب وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية كالكهرباء والنفط والمنافذ، تبقى كل لغة السياسة بلا ترجمة اجتماعية.. فالدولة تُقاس بقدرتها على خدمة مواطنيها، لا بمجرد امتلاكها شرعية شكلية.. الإصلاح هنا يبدأ من «الوظيفة العامة» لأنها الركيزة التي يُعاد عبرها بناء الثقة بين المواطن والدولة..
أما الجماعات المسلحة أو القوى ذات الواقع الميداني، فعليها أن تُدرك أن القوة حين تنفصل عن السياسة تتحول إلى عبء ذاتي، وأن مكاسبها لن تكتسب قِيمة تاريخية إلا إذا تحولت إلى أوراق تفاوضية قابلة للاستثمار ضمن منظومة ضمانات مؤسسية، تتيح دمجها التدريجي في بنية الدولة لا أن تبقيها على هامشها..
وفي المقابل يظل المجتمع المدني والنخبة الفكرية أمام مسؤولية تاريخية مضاعفة، تتمثل في تجسير الهُوة بين الأطراف المتصارعة والمجتمعات المحلية من خلال مبادرات لبناء الثقة، وآليات تواصل أفقي، تقلّص المسافات النفسية والسياسية بين الناس وصُنّاع القرار.. فالدولة لا تُبنى في القصور، بل تُرمَّم في العقول والضمائر بالدرجة الأولى..
أما الإقليم والعالم، فدورهما يجب أن ينتقل من موقع الضغط والوصاية إلى موقع الشراكة في إعادة الإعمار والتنمية، مشروطة بخريطة سياسية واضحة تضمن الاستقرار والعدالة معاً.. والربط بين الضمان الأمني والتنمية لا أُعِـدُّ أنا شخصياً أن هذا ترفاً دبلوماسياً، بل شرطاً لبناء سلام مستديم لا يعتمد على الهُدَن المؤقتة..
وتحويل السياسة من «فن الممكن» إلى واقع معيش يتطلب هندسة دقيقة ومصفوفة إجراءات متدرجة، مثل نظام مراقبة ومساءلة شفاف، إرادة جماعية تتعامل مع الحل كمسار لا كحدث.. فالتجارب التي نجحت في الخروج من الحروب لم تفعل ذلك بالصدفة، بل حين امتلكت الشجاعة لتربط بين الإغاثة والسياسة، وبين العدالة والتنمية، وبين الممكن والمطلوب..
• هل يمكن للواقع اليمني أن يكون قادراً على تحمُّل مزيدٍ من المعاناة في ظل غياب التوجُّهات الجادة نحو خلخلة الأزمة؟
-بكل وضوح، لا.. فاليمن لم يعد يمتلك ترف الزمن ولا طاقة الاحتمال في معاناة مفتوحة الأمد وبلا نهاية.. فالأزمة تجاوزت منذ سنوات مرحلة النزاع السياسي أو العسكري إلى ما يمكن تسميته اليوم بمرحلة الانهيار البنيوي الشامل؛ أو على الأقل هذا ما أظنه.. انهيار في البنية الاقتصادية وتآكل في النسيج الاجتماعي وتراجع منظومات التعليم والصحة، وانكسار في الروح الوطنية الجامعة، وتشتُّت في الذات اليمنية والهوية أيضاً.. لأننا لا نتحدث فقط عن حرب أنهكت الدولة، بل عن تآكل طويل المدى في مقوّمات الوجود المجتمعي نفسه، بحيث لم تعد الحرب تُدار بالسلاح –كَـرّ وفَـرّ في الجبهات– بل أصبحت تعيد تشكيل الإنسان اليمني في وعيه، وقِـيَمه، وسلوكياته، على نحوٍ بات يهدّد بفقدان قدرته على التعايش وإعادة البناء حتى لو تَوقَّف القتال غداً..
وبالتالي فإن استمرار هذا الوضع دون توجهات جادة لكسر الجمود السياسي سيحوّل الأزمة من «حالة صراع» إلى حالة تفكُّـك حضاري.. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً وشعباً عريقاً كاليمن ذات الجذور التاريخية الممتدة في الوعي العربي والإنساني.. فحين تفقد المجتمعات ثقتها بذاتها وبمستقبلها، تتحول من قوة فاعلة إلى مادة خام للتدخُّلات الخارجية، ومن شعب صانع للتاريخ إلى ساحة يُصنع فيها التاريخ على حسابه..
وهذا واضح، فاليوم تؤكد كل المؤشرات الإنسانية والاقتصادية أن اليمن المحلية والدولية، أن اليمن يقترب من نقطة اللاعودة، فأكثر من ثلثي السكان تحت خط الفقر، وانهيار شبه كلي في الخدمات، وتَـفَشّي البطالة، وهجرة للعقول والكفاءات.. وهذه ليست مجرد تكـهُّنات، بل هي إشارات انهيار الطاقة الحيوية للمجتمع؛ الطاقة التي تمكّـنه من النهوض مجدداً بعد الأزمات..
من هنا، وبناءً على هذه الحقائق الخطيرة والواقعية، فإن السكوت عن غياب الحلول ليس حياداً بل مشارَكةً في الإطالة المأساوية للأزمة؛ فكل يوم تأخير يعني تضاعف الكلفة المستقبلية، ليس فقط اقتصادياً بل أخلاقياً أيضاً.. والتاريخ لا يرحم الشعوب التي ترى سقوطها البطيئ وتكتفي بالمشاهدة والتفرُّج الصامت.. وأصبح من الضرورة أن اليمن اليوم بحاجة إلى يقظة وطنية شاملة، لتدرك أن الصمت لم يعد خياراً، وأن انتظار الحل من الخارج وَهْمٌ قاتل..
وأنا وزملائي وكل مكوّنات التحالف المدني، نؤمن ونؤكد في كل لقاء مع القيادات في صنعاء وعدن، ومع كل قادة الأحزاب السياسية، ومع المعنيين بالملف اليمني، مثل المبعوث الأممي وغيره، بأن الحل يبدأ حين تعي النخب السياسية والاجتماعية أن ما يُهدَّدُ الآن ليس السلطة ولا الجغرافيا، بل الوجود اليمني ذاته في معناه الحضاري والإنساني.. وبالتالي فإن الحل لن يكون إلا يمنياً يمنياً بتوافق على المصلحة العليا للبلد، وينطلق من المضامين الأساسية للثورة اليمنية "سبتمبر وأكتوبر" والثوابت الوطنية في الثورة والجمهورية والوحدة، للوصول إلى دولة مدنية اتحادية حديثة..
• هناك تيارات سياسية ترى خيارات الحرب باتت تمثّل اتجاهاً إجبارياً.. هل هذا السيناريو ممكن؟
-كما أشرنا في السؤال السابق أخي العزيز.. فإن علاقة القوى الإقليمية بمآلات الأزمة اليمنية تجعل من الحديث عن الحرب كخيار «محلياً بحتاً» قراءة للواقع.. لكن دعنا نذهب أعمق من مجرد النفي النظري، لنفهم كيف ولماذا قد يحدث تصعيد، وما الذي يجعل خيار الحرب «ممكناً» من الناحية الفنية و«مُستبعَداً» من زاوية العقلانية الاستراتيجية..
أولاً: الحرب ممكنة لأن العوامل التقليدية المولّدة للعنف لا تزال قائمة، فهناك نازع على الشرعية والسلطة، وفراغ مؤسّسي، واحتقان اجتماعي، ناهيك عن مساومات إقليمية تُترجَم أحياناً إلى دعم ميداني.. في مثل هذه البيئات، يكفي شرارة محلية أو حساب خاطئ لدى فصيلٍ ما من الفصائل المُتحكّـمة بالمشهد اليمني، لتتوسع المواجهات..
ثانياً: الطبيعة غير المتوازنة للصراع؛ حيث تستخدم كل الأطراف أدوات غير تقليدية (حروب، وكذا سياسات حصار وبُنى بديلة للسلطة) هذا كفيل بخلق مناخ يجعل الحل العسكري خياراً ظاهراً للبعض كوسيلة استرداد سريع للمكاسب أو إجبار على التفاوض بشروط مغايرة..
ومع ذلك، دعنا نتفاءل، إذا ما نظرنا للحوافز المضادة لسيناريو الحرب تبقى هي أقوى بكثير؛ فالكلفة الإنسانية والاقتصادية فادحة، وقد تؤدي المواجهات الشاملة إلى تفكُّـك أعمق في نسيج الدولة والمجتمع، ومن ثَم تحويل اليمن إلى «حالة فشل ممتد» تستنزف الجميع محلياً وإقليمياً.. كما أن أي تصعيد واسع لن يبقى محلياً طويلاً –وهذا ما هو أصح– فمنطق الانتشار والوكالة يجعل من التصعيد ميداناً لتوسُّع نفوذ خارجي أو اشتباك يضر بأمن الملاحة والتجارة الدولية، وقد يصل إلى دول محاورة فاعلة في المشهد اليمني، وهذا ما يجعل الدول الإقليمية والمجتمع الدولي يميلان إلى احتوائه أو منعه لا تقطيعه..
نقطة ثالثة تستحق التوقُّف.. هي أن الحرب اليوم ليست كما كانت في عقود سابقة مجرد صراع عسكري وجبهات ومدن و.. و.. الخ، بل صراعاً متعدد الأشكال: عسكري، اقتصادي، معلوماتي، وبارو متر دبلوماسي.. لذا، حتى «الانتصارات الميدانية» المؤقتة لا تُترجَم تلقائياً إلى انتصارات سياسية دائمة؛ إذ تتلاشى المكاسب ما لم تُصاحب بآليات دمج مؤسساتي وخريطة حكم قابلة للاستمرار.. هذا يعني أن مَنْ يلجأ إلى الحرب يواجه معضلةً ثنائية؛ تتمثل في مكاسب قصيرة الأجل مقابل كلفة طويلة الأمد في الشرعية والبنية التحتية والاقتصاد..
معانا أيضاً، معادلة النفور الدولي، والتي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار؛ فالقوى الكبرى والمنظمات الدولية تراقب الآن بحساسية أي تصعيد في منطقة ترتبط مساراتها بالملاحة العالمية والتجارة والطاقة، وهي مصالح مباشرة للعالم أجمع.. لذلك فإن الضغوط الخارجية وفرض قيود دبلوماسية أو اقتصادية، أو حتى عزل سياسي قد تكبح أي نزعة تصعيدية قبل أن تتوسع.. بعبارة أخرى، الحرب ممكنة تقنياً، لكنها احتمال مقيد بمجموعة قوية من المعوقات الإقليمية والدولية..
ومن منظور استراتيجي عملي مجرد، ما ينبغي التذكير به هو أن التصعيد ليس مساراً تلقائياً يقود إلى «حل نهائي»، بل غالباً ما يعيد إنتاج مشكلات أعمق، كتفكُّـك مؤسساتي يصعّب إعادة البناء وتعميق لجذور العنف، وكذلك تعطيل أي أفق سياسي قابل للقياس..
لذلك.. الحكمة تكمن في اعتبار الحرب خياراً متهوّراً وغير عقلاني لأطراف تسعى لبقائها الطويل؛ كما أنها –أي الحرب– خيار لن يجلب أكثر من فترات قصيرة من الهيمنة تلتهمها تبعاتها السلبية، وهذا ما يجب أن تؤمن به الأطراف اليمنية والرعاة الدوليون..
خلاصة القول، نعم.. الحرب ممكنة في شروط وظروف معينة؛ لكنها ذات كلفة مدمرة وغير مستديمة، ومن ثم فهي غير حكيمة كاستراتيجية.. والبديل العاقل هو تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية الموجهة نحو خلق مسارات تفاوض مرنة وربط كل خطوة سياسية بإجراءات إنسانية قابلة للقياس، واستثمار أي نافذة تهدئة في بناء مؤسسات عملية تقلّص احتمال العودة إلى العنف.. هذا المسار لا يعدل احتمالات الصراع في لحظته فحسب، بل يخفف من مغريات اللجوء إلى خيار العنف ويحوله من احتمال قائم إلى خيار مكلف ومجتزأ في ذهن مَنْ يفكرون فيه..
• في الوقت الراهن هناك حشود عسكرية تأتي إلى المنطقة يرى كثيرون أنها تستهدف المنطقة.. في نظركم ما الذي قد تُحدِثه هذه الحشود من تأثيرات على الأمن والاستقرار بمنطقتنا؟
-أخي العزيز.. التجمُّعات والحشود العسكرية في أي منطقة لا تقتصر على كونها وسيلة ردع، بل هي عامل مضاعِف للتوتُّر، يضع صمام الأمان أمام المبادرات الدبلوماسية في حالة تأرجح دائم.. وفي السياق اليمني، هذه الحشود قد تخلق شعوراً زائفاً بالأمن على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه ترفع من احتمالات سوء التقدير، وتزيد من مخاطر المواجهات العرضية وتعطل أي محاولات حقيقية لتهدئة أو لإعادة تشغيل مسارات الحوار الداخلي.. كما أن تدفُّق الأسلحة والقوات يفاقم الضغط الإنساني ويعيق وصول المساعدات إلى مَنْ هم بأمَسّ الحاجة إليها..
وإذا ما ربطنا هذه الظاهرة بالوضع الإقليمي، نجد أن المنطقة العربية والشرق الأوسط يمران بمرحلة حرجة من التوازنات الهشة؛ من الحرب المفتوحة والمستمرة بين إسرائيل وإيران، ومحاولات إسرائيلية مستمرة للهيمنة على غزة ولبنان والساحة السورية، وصولاً لاحتلال نفوذ القوى الكبرى عبر الوكلاء المحليين للصهيونية العالمية، وهو ما يغذّي الدورات الطويلة من العنف ويعمّق مأساة الشعوب..
فالتدخُّلات الخارجية هنا ليست محايدة –هذا بشكل مبدئي– بل غالباً ما تتحول إلى أدوات لضمان مصالح القوى الكبرى على حساب الاستقرار الإقليمي، كما أنها تكرّس بيئة صراع متجذّرة لا تنتهي بنهاية المواجهة العسكرية..
في هذا السياق لا يمكننا تجاهل دور بعض القوى الإقليمية الإيجابي مثل مصر والسعودية وتركيا، إذا ما وُظِفت إمكاناتها السياسية والدبلوماسية في إطار استقرار المنطقة وتوازن القوى بشكل مدروس بدلاً من أن تتحول أي تحركات عسكرية تؤدي إلى سباق تسلُّح جديد أو مشتل للأزمات.. هذه الدول يمكنها أن تلعب دوراً فاعلاً في خلق فضاءات سياسية واسعة، وتخفيف حِدة الاحتقان، وربط أي تحرُّكات أمنية بآليات مراقَبة دولية، وضمانات لتقليل المخاطر الإنسانية..
وفي مقابل ذلك، فإن ما يراه الكثيرون كتهديد مباشر من إسرائيل، ليس مجرد مسألة أمنية محدودة قد تنتهي بانتهاء الذرائع.. لا.. بل يمثّل انتهاكاً صارخاً للحقوق الإنسانية والسيادة الوطنية للفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، ومحاولة لفرض واقع جديد بالقوة على حساب القانون الدولي والشرعية والمصالح العربية، وهو ما يستدعي إدانة واضحة واستنفاراً للوعي السياسي العربي المشترَك لمواجهة هذا النهج العدواني، قبل أن يترسخ ويصبح قاعدة غير قابلة للتغيير..
ومن ثَمّ يمكننا القول إن الحشود العسكرية والسباق الإقليمي على النفوذ، ليس مجرد قضية محلية أو ظرفية. بل مِرآةً لتشابك الأزمات البنيوية في الشرق الأوسط والوطن العربي على وجه التحديد.. وما يريده اليمن، وما تحتاجه المنطقة، ليس تعزيزاً للوجود العسكري، بل مساحات دبلوماسية حقيقية، وضغوطاً سياسية متوازنة وآليات ضبط إقليمي يمكن أن تحوّل التهديد إلى تهدئة قابلة للقياس، وتفتح الطريق أمام حلول سياسية مستديمة.. فغياب هذا التحرُّك الحكيم يهدّد بخلق حلقة من التصعيد المتواصل لا سمح الله.. حيث كل حشد عسكري سيحوّل الصراع من أزمة محلية إلى تهديد وجودي دولي وليس إقليمياً فحسب..
• في هذا التوقيت الراهن هل سيكون مجدياً الإعلان عن مبادرة يمنية أكثر شمولاً ومشارَكةً من مختلف الفعاليات لإيجاد المعالجات للأزمة؟
-نعم.. أرى أن التوقيت الراهن يمكن أن يكون مناسباً لإطلاق مبادرة يمنية شاملة، لكن ذلك مشروط بتحقُّق عنصرين أساسيين: أولاً، الإشراك الحقيقي والشامل لكل الأطراف الفاعلة في المشهد اليمني شمالاً وجنوباً، سياسيين ومجتمعات محلية، أحزاباً ونقابات، اتحادات ومنظمات نسوية وشبابية.. ثانياً، وجود خريطة واضحة للتطبيق، تتضمن مراحل التنفيذ، التمويل، وآليات المراقَبة، والمساءلة المحايدة.. فالمبادرات الأحادية أو الضيّقة لا يمكن أن تُحدِث الثقة المطلوبة لدى الأطراف المحلية أو الإقليمية والدولية.. بل ربما تُضاعف من إحباط الشركاء، وبالتالي تكرار دورة العنف..
في هذا الإطار.. كان التحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية، الذي تأسس منذ انطلاق العدوان في 2015م، في موقع فاعل ورائد.. فقد عمل التحالف كهيئة وطنية مستقلة، انطلقت من الثوابت الوطنية والمصلحة العليا لليمن، ومما سبق وأنْ توافق عليه اليمنيون في دورات حوار سابقة مثل مخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة.. الخ، وقدَّم مبادرة متكاملة للأطراف كافة؛ بعد نقاشات مطوَّلة مع القيادات السياسية العليا في قلب الصراع، ومع المؤسسات العامة، مثل مجلسي النواب والشورى، والأحزاب السياسية، والشخصيات الوطنية، والنقابات والاتحادات، ومنظمات المرأة والشباب، إضافةً إلى مشاورات مع المجتمع الدولي لضمان توافق المعايير الدولية والدعم المتوازن..
وقد وُضِعت هذه المبادرة بصيغتها النهائية أمام طرفي الصراع، بحيث تشكّـل خارطة طريق شاملة ومتكاملة؛ تتضمن بوضوح مراحل تنفيذية مزمَّنة.. تبدأ بالمرحلة الانتقالية، مع تحديد مهامها التنفيذية، وتستمر لما بعد هذه المرحلة لضمان عدم تَوالُد الحرب من رحم الحرب القائمة.. المبادرة لم تكتفِ بالعموميات، بل حددت التفاصيل العملية لكل مرحلة من مراحل السلام، مع آليات مراقَبة وتنفيذ واضحة.. واشترطت إنشاء مرجعية وطنية عليا من شخصيات نزيهة غير معنية بالصراع، تشكّـل مرجعاً للأطراف في تفسير أي بند أُشْكِـل فهمه، يكون قرارها فيه باتَّـاً وملزماً للأطراف.. وهذا ما يجعلها –أي المبادرة– قابلة للتقييم وقياس النتائج، وبالتالي تعزيز الثقة بين الأطراف المحلية والشركاء الدوليين، كما أن المبادرة شملت ما بعد المرحلة الانتقالية لتشكيل هياكل للسلام والمصالحة الشاملة وجبر الضرر العام والخاص..
في الوقت ذاته، تجب الإشارة إلى أن اليمن يعيش حالة سيل مبادرات متعددة، بعضها متشابك أو متوازٍ.. لكن يظل نجاح أي مبادرة يعتمد على قدرتها على توليد إجماع محلي واسع وبناء خطة قابلة للتطبيق، قبل محاولة عرضها على الخارج..
وهكذا، فإن المبادرة الوطنية الشاملة التي تستند إلى إشراك حقيقي وضمانات عملية، وخطة تنفيذية، يمكن أن تكون نافذة فعالة لكسر الجمود، وتحويل نوايا السلام من شعارات إلى واقع ملموس، مع تقليص مخاطر العودة إلى العنف أو استمرار الأزمة على نحوٍ لم يعد يُطيقه أحد ولا يحتمله الشعب من باب أَوْلى..
• بالحديث عن المبادرات.. ما تقييمكم للمبادرات التي تمت، وأين أخفقت بالتحديد؟
-كما أشرنا في إجابة السؤال السابق، حول أهمية صياغة مبادرات شاملة، يمكننا أن نرى اليوم أن معظم المبادرات السابقة –وعلى الرغم من نواياها الطيبة– واجهت عوائق هيكلية جعلتها غير قادرة على تحقيق أهدافها العملية..
أول هذه العوائق، يتمثل في غياب آليات تنفيذ ومراقَبة صارمة؛ فالعديد من الاتفاقات كانت مجرد نصوص أو بيانات سياسية، بلا وجود طرف ثالث محايد أو آلية واضحة لضمان الالتزام، مما أتاح للأطراف الالتفاف على بنود الاتفاق أو تأجيل تنفيذها بلا تكلفة فعلية..
ثانياً.. ركزت بعض المبادرات على مسائل سطحية أو جزئية، مثل فتح مطارات أو موانئ، ودفع مرتبات، وفتح طرقات، وهي خطوات مهمة ولكنها لا تشكّـل أساساً لمعالجة الأزمة اليمنية السياسية المعقَّدة.. إذ أن هذه الإجراءات أو الأفكار لم تُصحَب بإطار سياسي شامل يضمن توزيع السلطة أو معالجة جذور النزاع، فتظل الحلول ناقصة وتفتقر للترابط البنيوي بين الأمن والخدمات والسياسة..
ثالثاً.. أعتقد أن غياب تمثيل فعلي وشامل لجميع الأطراف، يؤدي إلى تفكيك الشرعية المجتمعية المطلوبة لإنجاح أي مسار تفاوضي.. شمال اليمن وجنوبه، وقوى قبلية ومحلية متنوعة.. وكذلك الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، لم يُدمجوا دائماً في آليات صُنْع القرار، وكل واحد غني في شعبه وحده، فصار أي اتفاق ناقصاً ومهدَّداً بالرفض أو الانتقاص..
وأما العامل الرابع.. فقد لعب تَداخُل المصالح الإقليمية والدولية دوراً مزدوَجاً.. إذ أن تفاوت أولويات القوى الإقليمية، وعدم توافقها على صيغة الحل، أدى إلى تعطيل تنفيذ الاتفاقات أو تأخيرها، كما فتح المجال لاستثمار الفجوات لتحقيق مصالح جانبية..
وبالتالي، فإن الدرس العملي الذي يمكن استخلاصه، كما أشرنا في الإجابة السابقة، هو أن النجاح في مبادرات السلام، يرتبط بالجمع بين البُعد التقني للبنية التحتية والخدمات، والبُعد السياسي لتَقاسُم السلطة، أو لنَـقُلْ للتوزيع العادل للسلطة والثروة والضمانات المؤسسية، مع وجود طرف دولي محايد قادر على المراقبة والتقييم، ووضع آليات لمعاقبة الإخلال أو تقديم حوافز للالتزام.. وأي مبادرة لا تُراعي هذه العناصر الأساسية مهما كان حجمها الإعلامي أو الرمزي، ستظل معرَّضة للفشل أو الاستنزاف على المدى المتوسط والطويل، وستعكس الطبيعة المركبة والصعبة للصراع اليمني، حيث لا يمكن لفصل واحد من الأزمة أن يُحَل دون النظر إلى كل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
• من خلال مشاركة الدكتور حمود العودي الخارجية لتجارب بعض الدول التي انتهت فيها مثل هذه الصراعات، هل بالإمكان الاستفادة من تجاربها.. وهل هناك تجربة تستحضرونها الآن؟
-سؤال مهم.. نعم.. الاستفادة ممكنة بكل تأكيد، لكن شرطها تكييف التجربة مع خصوصية اليمن وتعقيدات النزاع الراهن.. فمن تجربتنا المباشرة في زيارة رواندا لدراسة برامج السلام والمصالحة في العام 2023م، لاحظنا أن نجاح المصالحة الوطنية هناك لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل عملية متكاملة جمعت بين العدالة الانتقالية، الدمج وإعادة التسريح، التنمية الاقتصادية وبناء الثقة المجتمعية، مع دور محوري للمجتمع المدني والنساء والشباب في كل مرحلة..
فمثلاً.. لاحظنا أن التجربة الراوندية في مسألة العدالة الانتقالية.. كيف يمكن للأطراف الاعتراف بالجرائم ومعاقبة الجناة ضمن إطار يركز على التسامح والمصالحة لا الانتقام، ما ساهم في إعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة.. هذا الدرس يمكن تكييفه في اليمن عبر آليات محلية ووطنية تسمح بمعالجة الانتهاكات وتعزيز الشرعية الوطنية مع إشراك المجتمع المدني لضمان تمثيل شامل ومستديم..
أما الدمج وإعادة التسريح، فقد كان حجر الزاوية في تفكيك القوى المسلحة ومنع عودة العنف، من خلال تقديم الدعم النفسي، التأهيل المهني وإدماج المقاتلين في المجتمع بشكل منظم..
ونحن في اليمن أمامنا فرصة لاستلهام هذا النموذج عبر برامج دمج واضحة للمقاتلين السابقين، مع توفير فرص اقتصادية وتعليمية، وإشراك المنظمات المحلية والدولية لضمان مصداقية التنفيذ..
وأستطيع أن أشير إلى تجربة راوندا على صعيد العدالة المجتمعية، حيث كيف أن محاكم "الجتاتشا" مثَّلت نموذجاً للمحاكم المجتمعية التي تعاملت مع الجرائم الأقل خطورةً، وأتاحت مساحة للضحايا والجُناة للحوار والتعويض، ما سرَّع عملية المصالحة.. ويمكننا في اليمن الاستفادة من هذا الأسلوب من خلال لجان مصالَحة محلية تحت إشراف القضاء والمجتمع المدني لضمان مصالحة حقيقية على مستوى القاعدة المجتمعية..
ولا يقل عن ذلك أهميةً البُعد التنموي والاقتصادي مثل دعم المشاريع الصغيرة وإعادة بناء البنية التحتية وتحسين التعليم والتدريب المهني الذي أسهم في استقرار رواندا وتقليل التوتُّرات الاجتماعية.. وباستطاعتنا في هذا السياق أن نطبّق مبادرات مماثلة مع التركيز على المناطق الأكثر تضرُّراً من النزاع، لضمان دمج اقتصادي واجتماعي حقيقي يقلّـل من الانخراط في النزاعات المسلحة..
وقد شدَّني كثيراً في التجربة الرواندية، مسألة إعادة بناء القِـيَم والثقافة المجتمعية عبر عدد من البرامج المدروسة، مثل المناهج التعليمية والتوعية الثقافية والفنية، وتشجيع الحوار المجتمعي بين الأطراف المختلفة، وهو ما عزَّز قبول الآخر وبناء الوحدة الوطنية.. الأمر الذي أعتبره تحدّياً كبيراً تجاه تفكُّـك النسيج الاجتماعي اليمني جراء دعوات مناطقية أو طائفية، وكيف يمكننا أن نستفيد من هذه التجارب في إعادة صياغة ثقافية وتعليمية تركّز على التعايش وحقوق الإنسان والمواطَنة..
ولا أنسى هنا الإشارة إلى العناية التي أَوْلاها الروانديون لأهمية مشاركة المرأة والشباب في صياغة المستقبل الوطني بمشاركة حقيقية فاعلة وليست ديكورية، حيث لاحظنا وصول المرأة الى أكثر 62٪ من نسبة مقاعد البرلمان الرواندي، الأمر الذي أدى لضمان استدامة السلام وعزَّز التماسك الاجتماعي.. وبالاقتران مع جهود التحالف المدني للسلم والمصالحة الوطنية، كمكوّن وطني مستقل ينطلق من الثوابت الوطنية والمصلحة العليا لليمن، يمكن أن تشكّـل هذه الدروس أدوات عملية لتأسيس مسار مصالحة وطنية متدرّجة، تبدأ بالمرحلة الانتقالية مع مهام تنفيذية واضحة، وصولاً إلى ما بعد الانتقال، لضمان عدم تَوالُد الحرب من رحم الحرب القائمة كما أسلفتُ في سؤال سابق..
باختصار.. التجربة الرواندية وغيرها من التجارب الدولية مثل كينيا والبوسنة، يمكن أن تقدّم نموذجاً عملياً ملهماً، ولكن تطبيقه في اليمن يحتاج إرادة سياسية قوية وإشراك شامل للمجتمع المدني مع دعم دولي وإقليمي مستمر، وخطة عملية مفصَّلة تربط عناصر العدالة والدمج والتنمية وبناء الثقة في مسار متكامل ومستديم للسلام..
• تعزيز الثقة بين مختلف الأطراف وتشجيعها للتواصل.. ما الذي يتطلبه من وجهة نظركم؟
-أعتقد أن مسألة تعزيز الثقة بين الأطراف المتنازعة في اليمن، يتطلب مقارَبة متعددة الأبعاد، تجمع بين رمزية الأفعال والإجراءات العملية، وكذلك ضمان الالتزام على المستوى الرمزي.. وأرى أن خطوات مثل إطلاق سراح المعتقَلين السياسيين وغير السياسيين، ووقْف حملات التشهير الإعلامي، وإصدار تصريحات مسئولة واضحة تؤكد الرغبة الصادقة في التهدئة، هي مَنْ تشكّـل بداية لتفكيك الانطباعات السلبية للأطراف تجاه بعضها البعض، وبناء أرضية نفسية أوَّلية للثقة..
أما على المستوى العملي.. فالأمر من وجهة نظري، يتطلب فتح قنوات إنسانية فورية وملموسة تبدأ بدفع الرواتب، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية وضمان مرور السلع، وإنشاء لجان محلية مشترَكة لإدارة الملفات اليومية.. هذه الإجراءات لا تمنح فقط شعوراً بالاطمئنان، بل تخلق تجارب ملموسة للتعاون اليومي يمكن البناء عليها، وهو ما يُكسِب الأطراف خِبرة عملية في التعامل المشترَك بعيداً عن الصراع..
ومع ذلك، لا يمكن للثقة أن تستمر من دون ضمان يتمثل في وجود طرف وطني ثالث محايد يراقب الالتزامات، وآليات سريعة لتسوية الخلافات حين تنشأ.. وهذا ما ركَّـزنا عليه في التحالف المدني أثناء صياغة مبادرتنا بضرورة إنشاء مرجعية وطنية؛ بحيث لا تتحول التباينات إلى أزمات متجدّدة.. فعند توافر هذه العناصر الثلاثة –الرمزية والعملية والضمانية– تنطلق ما يمكن تسميته بـ«عجلة الثقة»، تبدأ صغيرة لكنها تتسع تدريجياً لتشمل مجالات أوسع من التعاون، وهو ما يمثّل الأساس الحقيقي لأي مسار تفاوضي أو مصالحة وطنية مستديمة.
• كلمة أخيرة تودون قولها..
-أشكر صحيفة «الميثاق» على هذا الفضاء الذي يتيح للكلمة أن تتنفس عندما ضاق صدر الحقيقة، وعلى هذا الحوار المسئول الذي يمنح مساحةً للعقل وللكلمة الجادة وسط هذا الركام من الضجيج والخذلان.. فحين يُدار الحوار بعقل نزيه وضمير يَـقِظ، يصبح شكلاً من أشكال المقاومة ضد العمى الوطني، ووسيلة لحراسة الوعي من التبديد.. ومثل هذه المنابر حين تنفتح على الفكر والمراجعة تؤدي رسالتها الوطنية الأسمى المتمثلة في حماية الوعي من الانطفاء، وإبقاء جذوة الأمل حيّة..
أما كلمتي الأخيرة.. فليست ختاماً بل استهلالاً لسؤال أكبر: إلى أين نمضي بوطنٍ أنهكته المآسي من كل اتجاه؟.. فاليمن ليس أرضاً تتنازعها البنادق، بل روحاً عتيقة، تسكن قلب التاريخ، وتستغيث من حاضرٍ ضاق بها.. هذه البلاد وُجِدت لتكون منارةً لا ساحةً للخراب، وما الحرب إلا غشاوة مؤقَّتة على عين شمس لا تغيب..
أقولها، بصفتي أكاديمياً ومواطناً قبل أن أكون شاهداً على زمن الحرب.. إن اليمن لا يُختزل في مأساة، كما أنه لا يُقاس بخرابه العابر، بل بقدرته على النهوض من تحت الركام.. فنحن لسنا على هامش التاريخ.. بل في قلب امتحانه الأصعب..
اليمن يمكن أن يكون ساحةً للنهوض، لا مجرد ساحة صراع، لكن ذلك لن يتحقق إلا بإرادة تتجاوز الأحقاد الصغيرة وتعبره إلى مشروع وطني كبير، يعيد تعريف معنى الانتماء، ويضع الإنسان في صدارة كل عملية سياسية واقتصادية..
فقد أثبتت التجارب الإنسانية، أن الأمم لا تنهض بمشيئة الأفراد، بل بوعيها الجمعي حين يدرك الجميع أن البقاء المشترَك هو الشرط الوحيد للحياة.. والمطلوب اليوم قيادة تجيد فن التفاوض، ونُخَب تصغي لقواعدها لا لمصالحها، ومجتمع مدني يعيد صياغة خطاب الأمل على أسس من العدالة والمواطَنة.
فالسلام في جوهره، ليس اتفاقاً يُوقَّع، ولا تسويةً على الحساب.. بل يقظة ضمير جماعي ومشروعاً لإعادة بناء الذات الوطنية واستعادة روح المجتمع التي شوَّهتها الحرب.. ونحن في لحظة فاصلة؛ فإما أن نصحو إلى أنفسنا قبل أن نفقدها، وإما أن نترك للتاريخ مهمة رثائنا..
وعلينا، حكاماً ومحكومين، عامةً ونُخَباً، أن نعيد للسياسة معناها الأخلاقي، وللوطن ملامحه الإنسانية، وأن ندرك أن البناء يبدأ من كلمة صدق، ومن مصافحة قلبٍ لقلب، لأننا جميعاً نقف على حافةٍ بين البقاء والغياب، لكن ما زال في القلب متسع للحياة..
فلنجعل بالعمل الصادق والجاد من هذه اللحظة، لحظة وعي لا لحظة ندم، ولنكتب بوعينا لا بدمنا أن الوطن حين نخلص له، يخلص لنا، وحين نحبه حقاً، ينهض من بين أنقاضه كطائر يعرف طريقه إلى السماء.
|

| |
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|