بقلم/ عبدالله البردوني - ما خلت فترة تاريخية، من التحرك الاجتماعي والسياسي، إلّا أن كل الحركات مختلفة الوجوه والاتجاهات على أي نحو من الأنحاء.. كانت تسمّى الحركات التاريخية الخروج على الظالم،
طلب الحق، أصحاب الأولوية.. واتخذت هذه الحركات أسماءها
من مضمونها أو من تلقيب الذين خرجوا عليهم أو من تلقيب الحركات المناوئة، فلم يسمَّ الذين خرجوا على علي ومعاوية معاً
بالخوارج من أيام خروجهم الأول، وإنما لقبهم الإمام علي
لخروجهم عليه بعد التحكيم، فصار هذا اللقب الاسم التاريخي
للخوارج، الذين امتدت حركتهم نحو ثلاثمائة عام ولا تزال لهم
عضوية مختلفة عنهم.. كذلك طلاب الحق فإنهم يشاركون الخوارج في الخروج، ولكنهم يحملون صفات أخرى وصفوا بها
أنفسهم من أمثال عبدالله بن يحيى الكندي اليمني، فقد لقب نفسه طالب الحق وخرج على الأمويين في اليمن وامتد تحركه إلى الحجاز.. وكان هذا الرجل فرعاً من الخوارج ولكنه كان مختلف المذهب فوسم نفسه بطالب الحق، لكي يختلف عن اسم طائفته ولكي يفهم المجتمع عنه أنه مختلف لا يريد إلا الحق وليس مذهباً معيناً.. بعد عبدالله بن يحيى تسمّى كثير من القادة بطلاب الحق، أما الذين يتسمون بالخارجين على الظلمة فكانوا أئمة يخرجون على أئمة في اليمن، بمقتضى مذهب زيد بن علي..
وكلهم يرون أنفسهم أصحاب الأولوية، فقد كانت كل الحركات
الماضوية في العالم الإسلامي تحملُ صفات دينية وتشتت تسميتها من معانٍ دينية، ورغم تطور هذه الحركات فإنها لم تشكل تنظيماً إلا في القرن الـ20 ولم يحدث مثل هذا في اليمن إلّا في منتصف الأربعينيات، حيث تشكل حزب الأحرار، وكان يعرف في بادئ أمره بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ثم بالأحرار، ثم بالجمعية اليمنية الكبرى عام 1947م ..
بيد أن المناشير التي كان يبثها أعوان الأحرار في الشمال كانت تُوقَّع باسم حزب الأحرار على خلاف التسمية التي على مكتب الجمعية اليمنية الكبرى بعدن..
وقد كانت الحركة في الشمال متعددة المنابر، كان هناك حركة مشيخية وحركة تجارية، وحركة علماء، وحركة شباب، كما صنفها الدكتور أحمد قائد الصايدي في كتابه (المعارضة اليمنية)..
والذي يهمُّ هنا هو تحرك الشباب الأربعيني الذي التقى فيه شبانٌ من مختلف المناطق والمدارس والأعمال، إذ تجاور فيه الممرض من وزارة الصحة والطالب من دار العلوم، والموظف في دائرة السلك، وكان أكثر هؤلاء حماسةً محمد عبدالكريم الصباحي الذي كان على رأس خلية في مدينة إب.
* * *
ربما كانت للشباب اتجاهات مغايرة لاتجاه الجمعية اليمنية الكبرى ومغايرة لوجهة العلماء في صنعاء والطويلة والسر..
فقد تبدى الشباب متحمسين للوحدة العربية من ناحية، وللوحدة الإسلامية من ناحية أخرى، بدون تمييز بين زعماء الدعوتين، وبين اختلاف الدعاة.. إذ كان زعماء الدعوة الإسلامية يرون بطلان الدعوة القومية، كما كان القوميون يرون أن الدعوة الإسلامية تشكل امتداداً للعهد العثماني.. ولعل شباب الأربعينيات في اليمن كانوا متأثرين بالدعوتين معاً باعتبار أن كليهما ضد الاستبداد المتوكلي، وكان محمد عبدالكريم الصباحي من أقدر الشباب على الخطابة وعلى التحرك السريع إلى كل منطقة فيها خلية شبابية، أو ممكن أن تكون فيها خلية شبابية..
وعندما وقع انقلاب شباط عام 1948م وقع كثير من أولئك الشباب في قبضة الإمام أحمد الذي انتصر لمقتل والده وقضى على الانقلابيين، ونكّل بأتباعهم..
* * *
تبدى اختلاف السجون كفارق بين انقلابي أساسي، وبين مأخوذٍ
بالموجة التي اجتاحت صنعاء، بل إن أمكنة السجون دلت على
التفاوت في وزن أولئك الرجال، فمنهم من ُسجن بنافع في حجة، ومنهم مَنْ كان سجنهم أخفُّ فسُجن في المنصورة، ومنهم من
آواه حبس القلعة في صنعاء، ومنهم مَنْ استضافه سجن الرادع بصنعاء.. أيضاً إلى جانب السجون في كل مركز، فتبدى أن سجناء نافع أخطر لأن حسابهم أعلى وسجناء المنصورة أهون سجناً لأن جرمهم عند السجان أهون، كذلك سجن القلعة بصنعاءُ فقد كان أعتى من سجن الرادع.. لقد دلَّ اختلاف السجون على اختلاف العقوبات وعلى تفاوت الذين لحق بهم العقاب.. وإذا كان هذا الاختلاف غير تحديدي إلّا أنه تقريبي.
وقد كان نصيب بطلنا محمد عبدالكريم الصباحي سجن القلعة
أعتى سجن في العاصمة ولكن دون سجن حجة.. فكان الصباحي أخطر الشباب ودون خطورة الزعماء الذين لاقوا عقوبة الإعدام..
كان محمد عبدالكريم الصباحي في سجن القلعة متهماً بالتدرب
على الفدائية أو بالمشاركة فيها، لأنه جاء سجيناً بين مجموعة من الفدائيين الذين جاءوا من عدن لحراسة إمام شباط، فظل الصباحي في القلعة غير منتظر للموت بالسيف وغير آيسٍ من التحرك الشعبي، فجند نفسه لتعليم الرهائن أو رفع مستوى ذلك التعليم.. فاشتهر في القلعة باسم الأستاذ، لأنه كرس وقته لتعليم الأميين وتثقيف المتعلمين.. وفي عام 1950م طلب انتقاله إلى المستشفى بصنعاء للعلاج، فأجيب طلبه تخلصاً من اتصاله بأبناء الشيوخ الذين كانوا رهائن في القلعة، وفي المستشفى لاقى
زملاءه الذين نجوا من السجن أو دخلوه شهوراً، ثم خرجوا، ثم شكَّـل صِلات متعددة مع مرضى المستشفى وزوارهم، وكان في
كل صِلاته يثوّر الذين يلاقيهم على الوضع الإمامي ويقص عليهم التغيرات في العالم، وكان دائم القراءة لقصيدته التي ردّ بها على قصيدة الإمام أحمد في رثاء أبيه.
* * *
كان الصباحي في المستشفى لا يخلو من تحرك وفي الخارج لا
يتوقف له تحرك فتردد بين السجن والمستشفى من عام 1948م إلى عام 1953م.
ولما تحرر من سجنه بصنعاء تنقل بين صنعاء وإب وعدن، وكان يتميز بحسن التخلص من المآزق والقدرة على الهرب عند طلبه.. وفي عام 1955م ظهر في تعز غير مشارك في انقلاب عبدالله ضد أخيه وغير مناوئ لذلك الانقلاب علنياً، وإنما كان يستطلع الحركة إلى أين تصل، فاختلف عن الذين أطلقوا من سجناء 1948م إذ انقسموا إلى وجهتين..
أيَّد عبدالرحمن الإرياني ومحمد حسين عبدالقادر، وعبدالله الشماحي انقلاب عبدالله.. ووصف الشماحي ذلك الانقلاب بأنه ديمقراطي.. كما أيَّد أحمد الشامي ومحمد أحمد الشامي، البدرضدّ عمه عبدالله.. وتلاعب الأستاذ نعمان على الفريقين فابتعثه
عبدالله لإقناع البدر في الحديدة بالانقلاب فانضم إلى البدر، وعند معرفة الصباحي بانقلاب النعمان على الانقلاب أخذ يتساءل عن موقف الحركة وموقف أتباعها، فقد سبق النعمان إلى الحديدة ليستطلع حركة البدر غير منضم إليه، كما لم ينضم إلى عمه من قبل، ولعل الصباحي كان يرى في ذلك التحرك إجهاضاً للثورةالحقيقية.
* * *
ظل الصباحي على أقوى صلة بجماهير الشعب وبالأخص الشباب المثقف وتلاميذ المدارس، وكان غير مرتبط بعمل وظيفي وإنما كانت وظيفته ذاتية، يتطلع الأحوال ويراقب مجرى التغيرات.
وفي عام 1956م تعين رقيباً على العمال اليمنيين الذين يعملون
مع الصين في شق طريق صنعاء الحديدة، فوجد بغيته لكي يوسع دائرة اتصاله بشتى الناس، ووجد الحركة العمالية مكان تحمسه وتثويره، وواصل عمله متنقلاً بين الفلاحين الذين يملكون الأرض التي تمر منها الطريق وبين العمال الذين يشقون الطريق، ولبث في هذا العمل خمس سنوات، ولم يفرغ من ذلك العمل إلّا وقد تهيأ الجو لإرهاصات الثورة.
فعمل في مديرية الأشغال من عام 1961م إلى صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م.. وهناك تبدى الصباحي كعهده جذوة حماس يقود المظاهرات الجماهيرية ويستقبل المظاهرات الآتية من المناطق، وبعد شهر من قيام الثورة تقلد منصب وكيل وزارة الأشغال إلّا أنه لم يستلذ القرار على مكتب مغلق..
وكانت الحرب ضد الثورة على أشدها، فأنتدب محمد عبدالكريم الصباحي نفسه إلى جانب المقاتلين وكان يتوخى إقناع القبائل بالثورة أو حملهم على طرح السلاح، فقد تعود إقناع الجماهير واستمالتها، إلا أنه ندب نفسه للعمل الإقناعي بعد أن دوّى الرصاص وأصبح صوته أعلى من صوت الحجة والبرهان، فلاقى مصرعه في بيت مرّان في أرحب في منتصف عام 1963م، فتوج شوطه الطويل بذلك الاستشهاد العظيم إلى جانب جيش الثورة وفي خندق الثوار.
ولقد كان محمد الصباحي طرازاً ممتازاً من الثوار ، فقد عمل رقيباً في شق طريق صنعاء - الحديدة وكان مجالاً للكسب ولم يكسب الصباحي لنفسه شيئاً، وبعد الثورة نال منصب وكيل وزارة ثم انتقل إلى موقع القتال وكان يثري في هذا المكان مرتزقة الحرب غير أن الصباحي كان أعلى من هذا فمات ولم يخلف بيتاً أو ثروة وإنما خلف قدوة حسنةً وصيتاً طائر الأشذاء.
* كتاب للبردوني صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب
|