موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


بن حبتور: اليمن سيبقى عصياً على أعدائه - كتاب وصحفيون : إدارة الأزمات أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات - المشاط يؤكد المضي في إنهاء العدوان - بيانٌ بـ3 عمليات جديدة للقوات المسلحة.. ماذا استهدفت؟ - العدو يستهدف شبكة اتصالات السبرة في إب - هزة أرضية تضرب صنعاء - العدو يرتكب مجزرة في صنعاء - استهداف تحشيدات في معسكر النصر والقاعدة البحرية بعدن - الراعي يوّجه رسالة عاجلة إلى البرلمان الأوروبي - الخارجية: النظام السعودي يهدد حركة الملاحة -
الأخبار والتقارير
الميثاق نت -

الإثنين, 22-ديسمبر-2025
بقلم/ عبدالله البردوني -
كان عبدالغني علي أحمد من أول الخريجين حَمَلة الدكتوراه في الاقتصاد الذين عادوا إلى اليمن بعد الثورة

لاقى (الدكتور) عبدالغني علي نفسه بعد عودته إلى اليمن في موطن مختلف عن الوطن الأوروبي ولكنه لم يقنط من تحويل الاقتصاد اليمني إلى الانتعاش

كان عبدالغني علي قوي الحس بالوطن لأن الوطن متخلّف وتَـقدُّمه مسئولية بَـنِـيه كما كان يؤكد في كتاباته

دلَّت تجارب العالم أن أول ما تحتاج إليه الثورات الصناعية
والسياسية هو جيش من الخبراء الذين تخرَّجوا قبل سنوات وطبَّقوا تعليمهم سنوات

كان عبدالغني شديد النقد للخرّيجين الذين كانوا يجولون في الشوارع الجديدة سادين أنوفهم من غبار صنعاء وغاضين أبصارهم عما كانوا يسمونها المناظر المؤذية

عُيّن عبدالغني وزيراً للاقتصاد ثم وزيراً للخزانة دون أن يقتدر على تحريك الحياة
الاقتصادية لأنه أصبح وزيراً على مجموعة من الكَـتَبة


من الجميل أن يشغل المتخصص منصب وزارة في تخصُّصه شريطة أن يكون فيها عشرات من تخصُّص ذلك الوزير في سائر الدوائر والأقسام

إذا أصبح الوزير المتخصّص على غير متخصصين فإن معارفه ستظل سجينة مكتب فخم في هذه الوزارة أو تلك

كان عبدالغني علي بعد الثورة أمْـيَل إلى الاقتصاد التقشُّفي على حين كان البعض يفرض على شمال الوطن شكل الاقتصاد الخليجي ولكن بدون نفط.!!

عند انقلاب 5 نوفمبر 1967م كان عبدالغني علي خارج الوطن فظل مبعَداً عن اختياره وعن قصد الحاكمين في صنعاء

كابد عبدالغني الغربة من آخر الستينيات إلى أن مات بعيداً عن الوطن الذي أحبه من كل قلبه وجنَّد له خبرته ونظرياته


بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت صورة العالم كله وسياسات كل الأنظمة، بما فيها النظام في اليمن، فبدأ التفكير في إرسال البعثات الدراسية واستقدامها من الخارج، فاستوفد مدرسون من فلسطين وسوريا ومصر، وبُعث أعداد من طلاب المتوسطة والإبتدائيات والثانوية ودار العلوم، فبُعث نحو خمسين طالباً إلى لبنان ونحو عشرين طالباً إلى مصر.. وتلاحقت البعثات مثنى وثلاثاً وأحاديًا، على تعاقب الخمس السنوات الأخيرة من الأربعينيات..
ومن مستهل الخمسينيات تنوعت الهجرة اليمنية إلى الخارج.. ففر القادرون على الفرار من دار العلوم بصنعاء ومن المدرسة الأحمدية والتحقوا بمعاهد القاهرة وبغداد ولبنان وسوريا..
وتواصلت البعثات حتى وصلت في آخر الخمسينيات إلى المئات، إلى كل الدول الأجنبية والعربية. ومن ذلك الحين تألق الأمل بالخريجين، ورتب اليمنيون في الداخل عليهم تقدم اليمن، واضعين في اعتبارهم التجربة اليابانية التي حولت ذلك الوطن التقليدي إلى بلد صناعي كأحد أقطار أوروبا.. وكان الطالب المبعوثون متفاوتين في الوعي بتلك المسئولية وبأمل الشعب فيهم، فوقع بعضهم في اللهو والتهاون واجتهد الكثيرون.
وفي بداية الستينيات بدأت طلائع الخريجين من كل مستوى تعود إلى أرض الوطن، وكان من أوائل الخريجين حملة الدكتوراه في الاقتصاد اثنان.. الأول عبد الرؤوف رافع، الذي مات في حادث طائرة بعد تخرجه بشهور.. والثاني بطل هذه الحلقة عبدالغني علي أحمد.
* * *
لاقى (الدكتور) عبدالغني علي نفسه في موطن مختلف عن الوطن الأوروبي الذي تعلم فيه تعليمه العالي، ولكنه لم يقنط من تحويل الاقتصاد اليمني إلى الانتعاش، فتشكلت لجنة اقتصادية من أول دكتورين عبدالغني علي وعبدالرؤوف رافع.
فأحس عبدالغني بأنه وزميله قادران على تحقيق آمال الوطن ولو للمدى البعيد، وبعد فترة أصبح عبدالغني علي وحده، نتيجة موت صديقه عبدالرؤوف رافع الذي سقطت به الطائرة مع زميليه محمد عبدالله العمري، ومحمد أحمد الحجري..
وبفعل ذلك الحادث الفاجع تبدى عبدالغني علي شاعرًا، إذ رثى صديقه عبدالرؤوف رافع بقصيدة جيدة دلت على شاعرية كما وَشَتْ بثقافة، وبرهنت على حزن طائر فَقَد إلفه..
فأصبحت اللجنة الاقتصادية مكونة من عبدالغني وحده، وبعد فترة انضاف إليه يحيى محمد الهجوة..
وعلى شحة التخرج من الاقتصاد، عاد خريجون جامعيون من عدة كليات كَعَلي محمد عبده في الزراعة وعبدالله الكرشمي في الهندسة المعمارية، وفي الصحة تخرج دكتور واحد في الصيدلة هو الدكتور محمد الظفري.
وكانت الستينيات إبان تخرج هؤلاء تغلي بالثورة، وفي السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م اندلعت الثورة.
* * *
دلت تجارب العالم أن أول ما تحتاج إليه الثورات الصناعية والسياسية هو جيش من الخبراء الذين تخرجوا قبل سنوات وطبقوا تعليمهم سنوات. ولم يكن أمام ثورتنا إلا آحاد من حملات الشهادات المتفاوتة، وهم على أحدث عهد بالتخرج.. لهذا أحس الخريجون عظمة مسئوليتهم أمام التغيرات التي استهل عهدُها باستهلال الثورة..
وكان عبدالغني علي قوي الحس بالوطن، لأن الوطن متخلف، وتقدُّمه مسئولية بنيه، كما قال عبدالغني في إحدى مقالاته "إذا كان الوطن متقدماً فهو في غِنى عنا.. أما مادام على هذه الحال فهو أحوج ما يكون إلينا، يتبجح البعض بتقدمه وبتخلف الشعب، فإذا كان هذا متقدماً فليقطع شبراً من طريق التقدم الشعبي" وكانت هذه الملاحظة من عبدالغني مصوبةً إلى الخريجين الذين بدأوا يثرثرون في المجالس القات وكأنهم لم يتخرجوا، وكأن الشعب لم يبذل من لقمة عيشه نفقات تعليمهم..
وكان بعض الخريجين يجولون في الشوارع الجديدة سادين أنوفهم من غبار صنعاء، وغاضين أبصارهم عما كانوا يسمونها المناظر المؤذية، لهذا كان عبدالغني أسرع إلى رشق المتقززين من رؤية الوطن الذي عّول على بنيه المتعلمين..
ظل عبدالغني علي عاكفاً على دراسة الأحوال اليمنية ومقارنتها بأشباهها، باحثاً عن الوسائل الأجدى لدفع عجلة الحياة الاقتصادية والثقافية، وشاركه الكثير هذا الاهتمام، غير أن الأنظمة في بلادنا ترى المنصب الأعلى هو العصا السحرية لتحسين الأوضاع، فتعين عبدالغني علي وزيراً للاقتصاد ثم للخزانة، ثم مجدداً وزيراً للقتصاد..
فتنقل من مكتب إلى مكتب دون أن يقتدر على تحريك الحياة الاقتصادية، لأنه أصبح وزيراً على مجموعة من الكتبة، سواءً في وزارة الاقتصاد أو وزارة الخزانة..
من الجميل أن يشغل المتخصص منصب وزارة في تخصصه، شريطة أن يكون في الوزارة عشرات من تخصص ذلك الوزير في سائر الدوائر والأقسام، لأن الوزير مجرد رمز سياسي، أما الذين يديرون الأمور فهم كبار الموظفين وصغارهم، فماذا يجدي وزير خزانة بلا كوادر اقتصادية أو وزير اقتصاد بلا كوادر من نوع تخصصه؟!
صحيح أن وزير الاقتصاد في العالم المتقدم رجل اقتصاد، وزير الصحة دكتور في الطب، ولكن إلى جانب هؤلاء عشرات المتخصصين وجيش من الكوادر الفنية والإدارية، أما إذا أصبح الوزير المتخصص على غير متخصصين فإن معارفه ستظل سجينة مكتب فخم في هذه الوزارة أو تلك..
وكان عبدالغني علي يشعر بحرج ذلك الموقف، لأنه كان لا يعمل شيئاً في وزارة الخزانة إلا صرف الأموال لقادة الحرب، ولا أشق على وزراء الخزائن من صرف الأموال، وبالأخص إذا غاب التعادل بين الوارد والمنصرف كما كانت الأحوال بعد ثورة سبتمبر..
لقد كابد عبدالغني علي أزمة الشعور بالحرج، فما أراد أن يكون وزيراً وإنما ندب نفسه لأن يكون جندياً في جيش الكوادر في أي موقع من مواقع الإنتاج أو إدارة المنتجين..
وكان عبدالغني علي في ذلك الوقت يرى بعض الخريجين يشغلون أمكنة مناسبة، ففي 1964م تخرج الدكتور عبدالله الحريبي، وعمل في المستشفى الجمهوري وحقق مهمات هائلة وسمعة عطرية، إذ كان يجري الجراحات بنجاح أمهر الأطباء، كما كان يعالج الأمراض الباطنة بكفاءة فذة.. وحقق بعض الخريجين كفاءة ملحوظة في إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير، وفي لجنة النقد التي كونت فكرة البنك المركزي المعروف اليوم، وبهذا انبسط أمل عبدالغني بالخريجين من الشباب الذين يمارسون تخصصهم الاقتصادي عن دراية بأحوال البلد ومتطلبات المعركة المفروضة..
غير أن المشاكل السياسية تفاقمت فاستحوذت على الانتباه، نتيجة انشقاق الصف الجمهوري وتباين الأهواء في المواقع الحساسة، وكان عبدالغني علي جزءاً من التحرك السياسي ، وكان أميل إلى الاقتصاد التقشفي، على حين كان البعض يفرض على شمال الوطن شكل الاقتصاد الخليجي، ولكن بدون نفط. .!!
ودارت دورة الزمن فقام انقلاب 5 نوفمبر 1967م فسيطر المعتدلون، كما كانوا يُسمون، على الموقف السياسي والعسكري.. وكان عبدالغني علي خارج الوطن عند وقوع الانقلاب، واشتمَّ التغيرات السيئة فظل مبعداً عن اختياره وعن قصد الحاكمين في صنعاء، فنزحت خبرته التي جاءت من تعليمه، وكابد الغربة من آخر الستينيات إلى أن أقعده مرض عضال في آخر السبعينيات ، فمات بعيداً عن الوطن الذي أحبه من كل قلبه، وجنَّد له خبرته ونظرياته.. واليوم وقد انتقل عبدالغني علي إلى رحاب الله، من ذا يستطيع أن يقول هذه عمارة عبدالغني علي؟ أو هذه مزرعة عبدالغني علي؟ أو هذه أرصدة عبدالغني علي؟! لقد خرج من المناصب الوزارية نقياً كخروج الأمطار من ضمائر السحائب.
ــــ
من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني.. صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب.

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "الأخبار والتقارير"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
مشاعر صادقة ومواقف نبيلة .. أقوى من أي منغصات
يحيى نوري

تعز تغادر سنوات الإرهاب والفوضى
أحمد الزبيري

في زمن الحرب .. يفكرون بـ"الفيد" والحرب..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

كيف نستعيد الدولة؟
أماني محمد

من نداء شيخ الأزهر إلى إنقاذ اليمن
فيصل بن أمين أبو راس

يونس النونو.. حين تبدأ الأحلام من البذرة وتكبر بشعار «أنا أستطيع»
زعفران المهنا

مَنْ يعيد لي وطني المسلوب؟
سلطان القدسي

تحية إجلال وإكبار للشعب الإيراني المسلمِ المجاهد وقيادته المقاومة
أ. د / عبدالعزيز صالح بنُ حَبتُور

ما بعد خسارة المراكز الحدودية: هل تراجع الرياض حساباتها السياسية والعسكرية؟
محمد علي اللوزي

الرغيف الذي قد يصبح بحجم البندول !
عبدالسلام الدباء*

هل من وساطة بين المثقف والسلطة؟
الدكتور أحمد إبراهيم القديمي

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)