موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


البطالة.. حكاية وجع طويل - "قراءة اقتصادية" ثورة سبتمبر والتحولات الاستراتيجية والتنموية في اليمن - كيف نستفيد من تجربة واحدية الثورة سبتمبر وأكتوبر؟ - نائب رئيس المؤتمر يواسي آل المنتصر - التصدي لتشكيلين قتاليين سعوديين في أجواء محافظة تعز - رئيس المؤتمر يعزي بوفاة الشيخ علي غوبر - قصف يمني لشركة أرامكو في الرياض ومنطقة خريص - مؤتمر الاحزاب العربية يدين العدوان السعودي على اليمن - امطار متوقعة في 10 محافظات - سلسلة غارات على صنعاء وقصف مدفعي على صعدة -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 05-أكتوبر-2026
د. ربيع شاكر المهدي* -
أخطر ما فعلته الحرب في اليمن ليس أنها قتلت مئاتِ آلافِ الناس بل أنها أجبرت ملايين آخرين على أن يتعلموا كيف يعيشون وهم ينزفون فالحقيقة الناصعة هي أن ما عاشه اليمنيون على مدى اثني عشر عاماً كان حياةً في فم الموت وهنا تبدأ القصة الحقيقية لليمن .. تعالوا معي لنغوص ونبحر معا في بحر هذه المأساة التي وصفت بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم:
هناك حروب تُرى في السماء صواريخ وطائرات ودخان وانفجارات وهناك حرب أخرى لا تراها الكاميرات تحدث داخل البيوت.
أمٌّ تفتح علبة الدواء ثم تعيد إغلاقها لأنها لا تستطيع شراء الجرعة التالية أبٌ ينظر إلى راتبه الضائع ثم إلى قائمة الطعام فيكتشف أن الأرقام لم تعد تعرف بعضها طفلٌ يذهب إلى السوق بينما يذهب أخوه إلى المدرسة.
امرأةٌ تضع ماكينة خياطة في زاوية غرفة وتحول بيتها إلى ورشة كي لا يسقط بيتها.
ومغتربٌ في بلد بعيد يعمل لا ليبني ثروته بل ليحافظ على بيت لم يعد يستطيع أن يعيش من داخله هذه هي الحرب التي لم تُصوَّر بما يكفي.
خلال اثني عشر عاماً لم يكن اليمنيون ينتظرون انتهاء الحرب كي يعيشوا بل كانوا يخترعون كل صباح طريقة جديدة للبقاء حتى أصبح البقاء مهنة .. مهنة يعمل فيها الجميع سخرة ولا يحصل أحد فيها على راتب.
في صنعاء أمٌّ تبيع ذهبها كي تشتري الدواء وفي تعز معلم رياضيات يعمل في السوق بعد انتهاء يومه الدراسي وفي عدن موظفة تتحول إلى خياطة وفي حضرموت أسرة تنتظر حوالة شهرية من ابن يعمل في الخارج وفي الحديدة أبٌ يعمل يوماً بيوم تحت حرارة شديدة وفي كل مدينة قصص تشبه هذه الواقع بوجع متفاوت.
ليست العظمة هنا في أن الإنسان استطاع أن يحقق رغداً بل في أنه استطاع أن يبقى واقفاً ولو بوجع وهذا فرق هائل فالفقر يمكن أن يُقاس بمستوى الدخل لكن البقاء لا يُقاس بالمال وحده بل يُقاس بعدد الأشياء التي اضطر الإنسان إلى التضحية بها كي لا يسقط.
ذهبٌ بيع وأثاثٌ بيع ومدخرات بيعت وأرضٌ بيعت ووقتٌ بيع وصحةٌ استُنزفت وتعليمٌ انقطع وأحلامٌ أُجلت.
تجلس أم محمد أمام فواتير الماء والكهرباء وعلبة دواء فارغة .. زوجها موظف راتبه منقطع كبقية الموظفين في اليمن منذ عقد لكن الإحتياجات لا تنتظر تقول: الراتب منقطع وكل شيء آخر تغير ربما تختصر هذه الجملة اقتصاد اليمن كله .. فالإنسان فقد دخله بالكامل حتى أصبح فقيراً وتتحرك الحياة من حوله بسرعة أكبر.
عندها تبدأ الأسرة بالبحث عن حلول ثم حلول للحلول ثم حلول للطوارئ حتى يصبح البيت نفسه اقتصاداً صغيراً الأم تحسب والأب يعمل والأبناء يساعدون والجميع يتعلم درساً قاسياً: الحياة لا تنتظر أن تكون مستعداً.
أبو غيث معلم اللغة العربية اضطر إلى العمل في أعمال مختلفة وموجعة يقول: أقوم بعملي كمعلم حتى وراتبي منقطع منذ عقد ولا أستطيع ترك التعليم لأنها أمانة هذا ما أؤمن به لكن التعليم وحده لا يطعم أولادي فأضطر للعمل بعد الظهر والمساء لكي أطعم أولادي وأدفع إيجار المنزل ومواصلات لمدرستي.
هذه ليست فقط قصة معلم يعمل في عدة مهن إنها قصة زمن كامل زمن أصبح فيه الإنسان مضطراً إلى توزيع نفسه بين أكثر من عمل وأكثر من مصدر دخل وأكثر من احتمال في الصباح معلماً وبعد الظهر والمساء عاملاً وفي الليل أباً يحاول إنقاذ أسرته من الغد أربعة أدوار في يوم واحد وحياة واحدة تستهلك بأربعة أضعاف سرعتها حتى انهارت الصحة وتقلص العمر.
في عدن اشترت أم خالد ماكينة خياطة يدوية بالدين يدوية لأن الكهرباء منقطعة أغلب اليوم والليلة وبدأت من غرفة في منزلها وتحولت حياتها إلى خليط من العمل المرهق ادارة البيت وتربية الأولاد وطبخ وخياطة لتعيل أسرتها .. لكنها لا تجد شبكة أمان تحميها إذا مرضت أو توقفت عن العمل فقد أصبحت المرأة واحدة من أهم أعمدة اقتصاد البقاء لكنها حملت العمود وحدها في كثير من الأحيان.
تقول أم خالد وهي تخيط قطعة قماش زرقاء تحت ضوء بطارية صغيرة: "لم أختر أن أكون عاملة أنا اخترت ألا يموت أولادي جوعاً لكن أحداً لم يسألني ماذا أريد أن أكون" في صوتها نبرة لا تشبه الشكوى بل تشبه الاعتراف بثقل لم تختره هي لا تتحدث عن البطولة بل عن الإرهاق عن ليالٍ تنام فيها والماكينة إلى جانبها وعن ألم في الظهر لا يجد من يسمعه وعن خوف دائم من يوم تمرض فيه فلا تجد من يشتري الخبز.
أم خالد ليست استثناءً هي قاعدة في كل مدينة يمنية فهناك نساء يحملن بيوتهن على ظهور أرواحهن يعملن في الخياطة والطبخ وتربية المواشي وبيع الخبز والحلويات ولا يظهر اسمهن في أي إحصاء رسمي ولا يحصلن على أي حماية اجتماعية ولا يعترف بهن كمعيلات.
الحرب لم تمنح المرأة اليمنية فرصة جديدة بل ألقت عليها عبئاً جديداً فوق أعباء قديمة وحين نقول إن المرأة "أصبحت عموداً في اقتصاد البقاء" يجب أن نسأل: من يحمل العمود إذا سقطت هي؟.
في حضرموت تعيش أسرة على حوالة شهرية من ابن يعمل خارج اليمن ما يعادل 300 دولار فقط لكنها بالنسبة إلى الأسرة ليست تحويلاً مالياً إنها طعام ودواء وماء وكهرباء وتعليم وأحياناً سبب للاستمرار.
المغترب اليمني لم يعد مجرد شخص يعيش بعيداً عن بلده لقد أصبح في حياة كثير من الأسر جزءاً من شبكة النجاة لكن هنا يظهر السؤال الأكثر قسوة: ماذا عن الأسرة التي لا تملك مغترباً؟ ماذا عن الرجل الذي لا ابن له في الخارج؟ والأرملة؟ والمعاق؟ والنازح الذي وصل إلى مدينة لا يعرف فيها أحد؟ والأسر التي فقدت مصدر دخلها الوحيد؟
هناك نكتشف أن فرص النجاة نفسها لم تكن متساوية.
وعندما نضع هذه القصص جنباً إلى جنب نفهم أن الحرب لم تكن جبهة واحدة بل حروباً متداخلة: حرباً على الدخل وحرباً على العملة وحرباً على التعليم وحرباً على الكهرباء والماء وحرباً على الإنسان نفسه .. حرب دولية وإقليمية على النفوذ وحرب اقتصادية على الموارد وحرب على الذاكرة والهوية وانقسامات سياسية وانقساماً في المؤسسات: بنكين وجيشين ومناهج تعليمية مختلفة وعملتين بقيمتين مختلفتين وحين انقسمت الدولة لم ينقسم معها القرار السياسي فقط بل انقسم معها كل شيء ولذلك لم يعد السؤال فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل: أيّ حرب منها تنتهي أولاً؟.
في عدن حين أصبحت ساعات انقطاع الكهرباء طويلة بدأ الناس بشراء الشمس .. ألواح وبطاريات ومحولات وأسلاك وصيانة ثم بطارية جديدة كل فترة وتحول البيت إلى محطة صغيرة الثلاجة تحتاج إلى الشمس والمروحة تحتاج إلى الشمس والهاتف يحتاج إلى الشمس والطفل الذي يريد أن يدرس يحتاج إلى الشمس حتى النوم أصبح مرتبطاً بالطاقة.
وهكذا حدث تحول عجيب: حين غاب الضوء اشترى الناس الشمس لكن حتى الشمس لها ثمن ومن يستطيع شراءها يعيش بشكل مختلف عمن لا يستطيع.
وهنا تصبح التكنولوجيا نوعا من الحل لكنها في الوقت نفسه تكشف الفوارق الجديدة التي صنعتها الحرب فالماء أبسط شيء أصبح حلماً .. هناك أماكن لم يعد السؤال فيها: هل الماء موجود؟ بل: هل نستطيع دفع ثمنه؟شاحنة تصل وأسرة تدفع وخزان يمتلئ ثم ينتهي وتبدأ الدورة من جديد وهذا هو الوجه الآخر للحرب: أن يتحول أبسط احتياج إنساني إلى عملية حسابية كم نحتاج؟ كم نملك؟ كم بقي؟ وماذا نفعل إذا انتهى المال قبل أن ينتهي الأسبوع؟
ربما لا يوجد رقم أكثر قسوة من رقم الأطفال الذين خرجوا من المدارس لكن الرقم وحده لا يكفي لأن خلف كل طفل خارج المدرسة قصة طفل يعمل وطفلة تركت الدراسة وأسرة لم تعد تستطيع دفع تكاليف التعليم وكتاب غير متوفر ومعلم يعمل رغم غياب الاستقرار ثم يمر عام ثم عام آخر وفجأة يصبح الطفل جزءاً من سوق العمل وهنا تحدث الجريمة الصامتة: الحرب لا تأخذ من الطفل يومه فقط قد تأخذ منه الشخص الذي كان يمكن أن يصبحه .. الطبيب الذي لم يصبح طبيباً والمهندس الذي لم يدخل الجامعة والمعلمة التي لم تكمل دراستها والمبرمج الذي لم يصل إلى أول حاسوب .. الحرب لا ترى هؤلاء لكن المستقبل كان يراهم وهذا هو الوجع الحقيقي.
وهنا تأتي الخسارة الأكبر الخسارة التي لا تظهر في الصور ولا في الأرقام والتقارير: العقول والكفاءات التي هاجرت الطبيب الذي كان يمكن أن ينقذ مئات الأرواح غادر والمهندس الذي كان يمكن أن يعيد بناء ما تهدم غادر والأستاذ الجامعي الذي كان يمكن أن يعلّم جيلاً جديداً غادر والعالم الذي كان يمكن أن يغير مستقبل البلد إلى الأفضل غادر ما يحدث ليس مجرد خسارة أشخاص بل خسارة قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه فالحرب لا تقتل الناس فقط بل تقتل إمكانية أن يكون هناك مستقبل يقوم بهم.
كل سنة حرب تعني دفعة جديدة من الشباب الذين يغادرون ودفعة جديدة من الأطفال الذين لا يكملون تعليمهم ودفعة جديدة من النساء اللواتي يفقدن فرصهن في سوق العمل الرسمي .. رأس المال البشري لا يُستهلك في يوم بل يُستهلك ببطء مثل شمعة تُحرق من الطرفين وحين تنتهي الحرب إن انتهت سيجد اليمن نفسه أمام سؤال أثقل من إعادة بناء الجسور: كيف يعيد بناء الإنسان الذي كان يمكن أن يبني الجسور؟
أم علي تطبخ وتبيع ثم تعود إلى البيت ثم تبدأ من جديد ساعات طويلة تعمل لكن كم ساعة منها تدخل في الحساب الاقتصادي؟ كم ساعة منها تُعتبر إنتاجاً؟ كم ساعة منها تعتبر عملاً أصلاً؟
هناك اقتصاد يمني كامل يعمل خلف الأبواب .. اقتصاد لا يملك واجهات ولا إعلانات ولا مكاتب ولا سجلات واضحة لكنه يطعم الأسر ويعلم الأطفال ويرعى المرضى ويحافظ على استمرار البيوت .. اقتصاد لا يطلب الربح أولاً بل يطلب ألا يسقط البيت.
لكن الحرب لم تصنع اقتصاد البقاء وحده صنعت أيضاً اقتصاداً آخر يعيش على الأزمة نفسها وبين الاثنين نشأ اليمني العادي في منطقة رمادية.

*سياسي يمني وباحث في بناء الدولة.

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
ثورة الإرادة اليمنية الواحدة
بقلم/ الشيخ يحيى علي الراعي النائب الأول لرئيس المؤتمر - الأمين العام

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
حينما تتساقط أوراق الشجر..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

فنجان من البن.. ومساحة من الوطن
فيصل بن أمين أبو راس

مراجعة وطنية شاملة
هاني على سالم البيض

حين بكت اليمن في عيون طفلة
زعفران علي المهنا

تعساً لأمةٍ جعلت من مقابر أسلافها سلالم لوعاظ السلاطين."
أماني محمد

عصام الحلالي.. أثرٌ يمتد ونبلٌ لا يغيب
د. طه حسين الهمداني

دموع من أجل الوطن !
عبدالسلام الدباء*

أحزاب الأدب والسياسة
د. أحمد القديمي *

السعودية.. ومخططها الفتنوي في اليمن
محمد علي اللوزي

ثورة 26 سبتمبر الخالدة.. يومٌ بألف عام "2-2"
حمود صالح العلفي

المجلس التنسيقي التمزيقي.. أداة الاحتلال لإعادة خراب 2011م
سعيد مسعود عوض الجريري *

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)