مبارك حزام العسالي - حين يكون الوطن أمام تحديات تهدد تماسكه الاجتماعي ووحدته الوطنية؛ تصبح الحكمة مسؤولية، ويغدو التمسك بالمساحات المشتركة بين أبناء الوطن الواحد ضرورة تتقدم على كل الخلافات. واليمن، بما يحمله من تاريخ عريق وتنوع جغرافي واجتماعي وثقافي؛ ليس مجموعة جزر متفرقة، بل وطن واحد تشكلت ملامحه عبر قرون من التداخل والتواصل والمصير المشترك.
وفي هذا السياق؛ تبرز تعز بوصفها واحدة من المدن والمحافظات التي ارتبط اسمها طويلاً بالحياة الثقافية والفكرية والمدنية في اليمن. غير أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في تحويلها إلى عنوان للمفاضلة بين اليمنيين؛ وإنما في استحضار ما يمكن أن تقدمه من رصيد معرفي وثقافي واجتماعي في خدمة اليمن كله؛ من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
لقد كانت تعز، عبر مراحل مختلفة من التاريخ اليمني؛ فضاءً للتفاعل الثقافي والتجاري والاجتماعي، وملتقىً لأبناء مناطق متعددة. ولذلك؛ فإن استعادة هذا الدور الإيجابي اليوم ينبغي أن تنطلق من مفهوم جامع يرى في التنوع اليمني مصدر ثراء وقوة؛ لا ذريعة للتنازع أو الاحتراب أو تفكيك الروابط التي جمعت اليمنيين جيلاً بعد جيل.
إن اليمن الكبير لا يُبنى بإلغاء خصوصية محافظة أو منطقة؛ كما لا تُصان وحدته بإذابة تنوعه؛ وإنما يُبنى بالاعتراف بأن لكل منطقة خصوصيتها ومكانتها، وأن هذه الخصوصيات جميعاً تلتقي في إطار وطني أوسع هو اليمن.
ومن هنا؛ فإن تعز تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة الاعتبار للخطاب الوطني الجامع؛ بعيداً عن النعرات المناطقية والحسابات الضيقة. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي لإنتاج خصومات جديدة؛ وإنما استحضار أفضل ما في التجربة اليمنية من قيم التعايش والتكافل والتواصل؛ وتحويلها إلى قوة تدفع نحو الاستقرار والتنمية وإعادة بناء المؤسسات.
ولا يمكن فصل الحديث عن الوحدة الوطنية عن حياة المواطن اليومية؛ فالأمن، والخدمات، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، وفرص العمل، وكرامة الإنسان؛ كلها قضايا تتجاوز الانقسامات الجغرافية والسياسية، وتكشف حقيقة أن اليمني في تعز وصنعاء وعدن وحضرموت والحديدة وإب وصعدة وشبوة ومأرب والمهرة وسائر المحافظات؛ يشترك في احتياجات أساسية ومصالح إنسانية ووطنية لا يمكن تجاهلها.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في أوقات الأزمات؛ هو أن تتحول الخلافات السياسية إلى قطيعة اجتماعية، وأن تتحول الجغرافيا إلى هوية متصارعة، وأن يصبح الاختلاف سبباً لقطع جسور التواصل بين أبناء الشعب الواحد. ولذلك؛ فإن المسؤولية تقع على عاتق النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية في ترشيد الخطاب، وتخفيف الاحتقان، وفتح مساحات للحوار؛ وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الآنية.
وتعز، بما تمتلكه من رصيد ثقافي واجتماعي؛ قادرة على أن تكون جزءاً من هذا المسار، وأن تستعيد دورها كمساحة للتواصل والتفاعل والبناء؛ لا أن تُختزل في صورة الصراع والانقسام.
فالمحافظة التي أسهم أبناؤها في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية اليمنية؛ قادرة أيضاً على الإسهام في صناعة خطاب جديد يعيد الاعتبار لفكرة الوطن الجامع.
إن الحفاظ على اليمن الكبير ليس مجرد شعار يُرفع في المناسبات؛ بل مسؤولية تتطلب وعياً بأن وحدة المجتمع لا تُحمى بالقوة وحدها؛ وإنما بالعدل، والحوار، وصون كرامة المواطن، وتحقيق قدر من الاستقرار والتنمية، وإتاحة المجال أمام أبناء الوطن للمشاركة في صناعة مستقبلهم.
وفي نهاية المطاف؛ ستبقى الجغرافيا اليمنية أوسع من الخلافات العابرة، وسيبقى التاريخ المشترك أعمق من الاصطفافات المؤقتة. وتعز ليست خارج اليمن الكبير؛ كما أن اليمن الكبير ليس منفصلاً عن تعز؛ فكلاهما جزء من حقيقة وطنية واحدة، تتعدد فيها المدن والمناطق واللهجات والعادات؛ لكنها تلتقي في وطن واحد ومصير واحد.
ومن هنا؛ فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الإنسان اليمني، وعلى قدرته على تجاوز الجراح، وإعادة بناء جسور الثقة، وتحويل التنوع إلى قوة، والخلاف إلى حوار، والطاقة المهدرة في الصراع إلى طاقة للبناء.
فاليمن الذي يتسع لتعز، ويتسع لصنعاء وعدن وحضرموت والحديدة وإب وصعدة وشبوة ومأرب والمهرة وسائر أرضه؛ هو اليمن القادر على النهوض من جديد.
ذلك هو اليمن الكبير؛ وطنٌ لا تضيق جغرافيته بأبنائه، ولا تتحول خصوصيات مناطقه إلى حدود تفصل بينهم؛ بل تتكامل فيه الأجزاء لتصنع وطناً واحداً يتسع للجميع.
|