د. محمد البطري - كان الإعلام يوماً مهنة تحمل مسؤولية الكلمة، وتنقل الحقيقة، وتكشف الخلل، وتمنح الناس المعرفة التي يحتاجونها لفهم واقعهم، أما اليوم، فقد تحولت بعض المنابر إلى ساحات للمكايدات وتصفية الحسابات، وأصبح الخبر في أحيان كثيرة وسيلة للتأثير لا لنقل الحقيقة.
لم يعد المهم دائماً : ماذا حدث؟ بل: كيف نريد للناس أن يروا ما حدث؟
العناوين المبالغ فيها، والأخبار غير الموثقة، والاجتزاء، وتقديم الرأي على أنه حقيقة، كلها صنعت إعلاماً يبيع الوهم بقدر ما ينقل المعلومة، وفي زحام المنافسة على المشاهدات والمتابعين، تراجعت أحياناًِ قيمة المهنية أمام الإثارة، وتراجعت الحقيقة أمام المصالح.
لكن الإعلام ليس مجرد شاشة وميكروفون وقلم؛ إنه مسؤولية، وحين يفقد الإعلام صدقه، يفقد الجمهور ثقته، وحين تتحول الكلمة إلى أداة للمكايدة، يصبح الوعي العام ضحية.
الإعلام الحقيقي لا يصفق لأحد ولا ينتقم من أحد؛ مهمته أن يقول ما حدث، كما حدث، وأن يترك للناس حق الحكم وفي النهاية، قد ينجح الوهم في جذب الملايين للحظة، لكن الحقيقة وحدها هي التي تستطيع البقاء، فالإعلام الذي يبيع الوهم قد يكسب جمهوراً، أما الإعلام الذي يحترم الحقيقة فيكسب التاريخ.
|