عبد السلام الدباء* - ينبغي ان يدرك اليمنيون اليوم أن ما يجمعهم من تاريخ وهوية ومصالح ومصير مشترك أكبر بكثير مما يفرقهم من خلافات وصراعات، وأن الضرورة تقتضي اليوم بأن تتحول أعياد الثورة اليمنية ( 26 سبتمبر و 14 اكتوبر ) من مناسبات لاستعادة ذكريات الماضي إلى محطات وطنية لصناعة الوحدة والسلام وبناء المستقبل.. وعند ذلك سوف نختصر الطريق نحو يمن آمن ومستقر، يستعيد عافيته ويمنح أبناءه حقهم في الحياة الكريمة.. فلقد علّمتنا سنوات الحرب أن الأوطان لا تُبنى بالخصومات، وأن الانتصار الحقيقي ليس في إقصاء طرف أو إخضاع منطقة، بل في قدرة اليمنيين على تجاوز خلافاتهم، والجلوس إلى طاولة الحوار، والاتفاق على دولة تتسع للجميع، وتصون الحقوق والحريات، وتحقق العدالة والمواطنة المتساوية.
الحرب، مهما تعددت مبرراتها، لا تترك خلفها سوى جراح تتوارثها الأجيال، واقتصاداً منهكاً، وفرصاً ضائعة، وأحلاماً مؤجلة.. أما السلام، حين يقوم على التفاهم والشراكة والإنصاف، فيفتح أبواب الإعمار والاستثمار والتعليم والعمل، ويعيد إلى الإنسان اليمني ثقته بوطنه وقدرته على بناء غده.. اليوم، تأتي مناسبة أعياد الثورة اليمنية ( 26 سبتمبر 1962م و14 أكتوبر 1963م) لتذكّر اليمنيين بأن الحرية والكرامة والاستقلال لم تكن هدايا مجانية، بل ثمرة تضحيات جسيمة قدمها المناضلون والشهداء في مختلف أرجاء الوطن.. فقد عملت ثورة سبتمبر على إنهاء الحكم الإمامي وإعلان الجمهورية، فيما فجّرت ثورة أكتوبر الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، وصولاً إلى الاستقلال عند خروج آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967م.
إن الوفاء لتلك التضحيات لا يكتمل برفع الأعلام وترديد الأناشيد وحدها، بل باستكمال أهداف النضال الوطني في بناء دولة عادلة، ومجتمع متماسك، وحياة كريمة، ومستقبل لا يخشى فيه الأبناء من الغد.. والحفاظ على يمن واحد من المهرة إلى صعدة، ومن عدن إلى صنعاء، مع الإيمان بأن كل اليمنيون يستحقون أن يجمعهم وطن يحترم تنوعهم، ويصون كرامتهم، ويمنحهم فرصاً متكافئة للمشاركة في بنائه.. فالاحتفاء بأعياد الثورة اليمنية، ينبغي أن لا يكون مجرد استدعاء للتاريخ، بل فرصة لتجديد العهد مع الوطن، ونبذ خطاب الكراهية والتخوين، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.. فالشهداء الذين ضحوا من أجل الحرية والاستقلال والوحدة لا يستحقون منا أن نترك وطنهم أسيراً للانقسام والتشظي، فاليمن الموحد الذي ناضلوا من أجله، ليس مجرد مشروع سياسي أو اقتصادي فحسب، بل قيمة استراتيجية وحضارية وإنسانية، تستند إلى عمق تاريخي وهوية واحدة ومصالح وطنية مشتركة.
على اليمنيين اليوم أن يدركوا بأن مساحة الوطن الواحد وتنوع موارده وثقافته، وثقله البشري، وموقعه عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، تمنحه أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية، وأن استقرار اليمن يرتبط بأمن المنطقة والعالم.. فمضيق باب المندب يعد أحد الممرات البحرية الحيوية للتجارة بين آسيا وأوروبا، لكن هذه الأهمية الجيوسياسية لن تتحول تلقائياً إلى رخاء.. ولكنها فرصة تحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وبيئة آمنة للاستثمار، وشراكات إقليمية ودولية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.. أما استمرار الحروب والانقسامات وعدم الاستقرار، فإنها جميعاً تبدد الموارد وتعطل التنمية وتضاعف أعباء الحياة وتصعب المعيشة لدى جميع المواطنين.
اليمنيين هم أصحاب المصلحة الأولى في تحقيق السلام باليمن، لكنهم ليسوا وحدهم من سيجني ثماره؛ فتعافي اليمن يعزز أمن الخليج، ويفتح آفاق التعاون والتنمية، ويسهم في استقرار الممرات البحرية والمنطقة بأسرها.. ومن هنا فإن السلام في اليمن ليس مسؤولية يمنية فقط، ولكنه مسؤولية عربية وإقليمية ودولية، ولذلك تبرز ضرورة أن يتقدم الحوار على السلاح، وأن تتسع التسويات السياسية لجميع المكونات اليمنية، على أساس التوافق الوطني واحترام الحقوق، بعيداً عن فرض الإرادات بالقوة.. كما تقع على عاتق الدول المجاورة، الشقيقة والصديقة والمجتمع الدولي، مسؤولية دعم مسار سلام حقيقي وجاد في اليمن، ومساندة التعافي الاقتصادي، وحماية سيادة اليمن ووحدة أراضيه، وعدم تحويله إلى ساحة لتصفية أي حسابات إقليمية أو دولية.
لقد حان الوقت الآن لكي تصبح أعياد (سبتمبر و أكتوبر) جسراً نحو المصالحة الوطنية، لا مجرد صفحات نستعيدها من كتاب التاريخ.. فالمستقبل لا ينتظر المتخاصمين حتى ينتهوا من خلافاتهم، والعالم لا يتوقف عن المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية حتى يلتقط اليمن أنفاسه.. فلنجعل من الوحدة إرادةً تحفظ التنوع، ومن السلام قراراً شجاعاً، ومن الحوار طريقاً لاستعادة الدولة وبناء المؤسسات.. وليكن الوفاء لشهداء الثورة اليمنية عملاً ملموساً في حياة الناس، ودولة عادلة في وطن موحد يتسع لجميع ابنائه، فاليمن العادل الذي يتسع للجميع، سيكون قادرا على أن يصنع مستقبلاً يليق بتاريخه وموقعه وإنسانه...
أما اليمن الذي يتنازع أبناؤه على أنقاضه، فلن يربح فيه أحد، حتى لو ظن أنه انتصر.
_______
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|