الميثاق نت -

الإثنين, 21-يونيو-2021
حاوره‮/‬رئيس‮ ‬التحرير -
اعتبر الدكتور محمد القطراني -خبير التخطيط الاستراتيجي بالمعهد الوطني للعلوم الادارية- ان الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية خطوة ممتازة، وعبَّر عن تفائله بقدرة الدولة بتحقيقها والنهوض بالتخطيط الاستراتيجي اذا ما استخدمت الادوات الصحيحة.
وشدد‮ ‬القطراني‮ ‬على‮ ‬ضرورة‮ ‬ان‮ ‬تترافق‮ ‬الرؤية‮ ‬الوطنية‮ ‬مع‮ ‬انشاء‮ ‬مركز‮ "‬ادارة‮ ‬ازمة‮" ‬لقياس‮ ‬الوضع‮ ‬الراهن‮ ‬والتحرك‮ ‬للهدف‮ ‬من‮ ‬معطيات‮ ‬الحاضر‮ .‬
وحذر‮ ‬من‮ ‬ان‮ ‬الرؤية‮ ‬ستظل‮ ‬حبراً‮ ‬على‮ ‬ورق‮ ‬في‮ ‬ظل‮ ‬الاتجاه‮ ‬لتسميات‮ ‬المستويات‮ ‬الإدارية‮ ‬للقائمين‮ ‬عليها‮ ‬وتوزيع‮ ‬المراتب‮ ‬الوظيفية‮ ‬دون‮ ‬الاهتمام‮ ‬بجوهر‮ ‬الرؤية‮ ‬واهميتها‮.‬
واكد‮ ‬على‮ ‬سيادة‮ ‬مبدأ‮ ‬التفكير‮ ‬للتخطيط‮ ‬بدلاً‮ ‬عن‮ ‬سياسة‮ ‬انتظار‮ ‬الحدث‮ ‬ثم‮ ‬مواجهته‮ .‬
‮ ‬فدائماً‮ ‬ما‮ ‬تكون‮ ‬الاحداث‮ ‬مترابطة‮ ‬مما‮ ‬يصعب‮ ‬معها‮ ‬تلافي‮ ‬المشكلة‮ .‬
واشار‮ ‬الى‮ ‬ان‮ ‬المعهد‮ ‬الوطني‮ ‬للعلوم‮ ‬الإدارية‮ ‬هو‮ ‬المؤسسة‮ ‬العلمية‮ ‬المنوط‮ ‬بها‮ ‬تأهيل‮ ‬وتدريب‮ ‬موظفي‮ ‬الدولة‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬قطاعات‮ ‬العمل‮..‬
واضاف : رغم ان الرؤية الوطنية تضمنت واناطت به هذا الدور الا ان عدم الاهتمام او بالأحرى السعي للاستحواذ غير المنطقي قاد الى انشاء مركز لبناء القدرات والذي نرى انه فقط خلق وظائف لن تقدم للإدارة العامة اي جديد .
وقال الدكتور القطراني : ان الدولة اليمنية بدأت التخطيط منذ العام 1974 في برنامج الانماء الثلاثي وتلته الخطط الخمسية والتي لم تكن معلومة لاحد سوى وزارة التخطيط المعنية بإعداد مؤلف موسمي اسمته الخطة الخمسية ثم كتاب آخر هو تقييم لهذه الخطة دون ان يتبع ذلك محاسبة‮ ‬جادة‮ ‬للمسؤولين‮ ‬عن‮ ‬التنفيذ‮ ‬ولا‮ ‬المخططين‮ ‬وتصدر‮ ‬الجهات‮ ‬تقارير‮ (‬رفع‮ ‬عتب‮) ‬سنوية‮ ‬الى‮ ‬رئاسة‮ ‬الحكومة‮ ‬لتدخل‮ ‬غياهب‮ ‬الادراج‮ .‬

حاوره‮ / ‬رئيس‮ ‬التحرير

‮* ‬إلى‮ ‬أي‮ ‬مدى‮ ‬غابت‮ ‬ادارة‮ ‬الازمات‮ ‬في‮ ‬النشاط‮ ‬الحكومي‮ ‬الراهن‮ ‬ومدى‮ ‬تأثير‮ ‬ذلك‮ ‬في‮ ‬زيادة‮ ‬المعاناة؟
- الازمة مصطلح يتم اطلاقه من الكل في حال عدم انسيابية الوقائع في المنظور الطبيعي سواء في حركة الانسان او في حركة المنظمات او تدفق المنتجات او غيرها اما الأزمات التي تحدث في المنظمات أو المؤسسات ما هي إلا تغييرات مفاجئة تطرأ على البيئة الداخلية أو الخارجية للمنظمة أو المؤسسة دون توقع لها أو فرص لتجنبها ، والحقيقة التي يفترض أن نقف أمامها كثيراً كي نعيها وندركها هي عدم وجود دولة في العالم محصنة تماماً من الأزمات، حتى وإن نجت من هذه المخاطر والأهوال لسنوات عدة، لقد رافقت الأزمات الإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض وتعامل معها وفق إمكاناته المتاحة للحد من آثارها .. ورغم قدم هذه الأزمات عبر الحضارات المتعاقبة؛ إلا أن الاهتمام بعلم إدارة الأزمات لم يبرز إلا حديثاً نتيجة تعدد الكوارث المدمرة من ناحية، وارتفاع الأصوات التي ما انفكت تنادي بأن شيئاً ما يجب أن يتخذ تجاه الأحداث الكبيرة والمفاجئة وذلك لمنعها أو الحد من آثارها. وكثيرًا ما يقال إن كل أزمة تحتوي بداخلها بذور النجاح وجذور الفشل أيضًا ، وإن مجالات الأزمات الإدارية كثيرة ومتعددة ولا نستطيع حصرها أو تصنيفها بل يمكن القول إن الأزمات قد تأتي عن فشل مفاجئ أو عوارض أو إهمال . كما أن بعض الأزمات تحدث خارج نطاق سيطرة الإدارة ، كما أن بعض الأزمات تحدث نتيجة تسرب معلومات مهمة وأحيانًا سرية كاستراتيجية أو خطة جديدة اما في واقعنا اليمني فنحن لسنا بدعاً من غيرنا من الدول فقد واجهنا أزمات كثيره لا مجال لحصرها ولكن من شواهدها الحضارية شحة المياه ومواجهتها ببناء السدود، والازمة الحالية التي نواجهها سببها الحرب القائمة على اليمن وما قبل الحرب الا ان إدارة الازمات مفقودة تماما في الواقع الإداري سواء في قمة هرم الإدارة العامة او في مؤسساتها. ولا اعتقد ان تجاهل التعامل مع الازمة مبرر‮ ‬على‮ ‬الاطلاق‮ ‬لخطورة‮ ‬ما‮ ‬ينطوي‮ ‬عليه‮ ‬نتيجة‮ ‬تراكم‮ ‬المشكلات‮.‬

‮* ‬هذا‮ ‬الغياب‮ ‬كيف‮ ‬يمكن‮ ‬تفاديه‮ ‬وما‮ ‬يتطلب‮ ‬ذلك‮ ‬من‮ ‬آليات‮ ‬للجهد‮ ‬الحكومي؟
- هنا يمكننا العودة الى تعريف ادارة الازمة والتي تتمثل في إنها تقنية لمواجهة الحالات الطارئة والتخطيط للتعامل مع الحالات التي لايمكن تجنبها، او اجراء التحضيرات الممكن التنبؤ بها، وهذه التقنية الادارية تطبق للتعامل مع هذه الحالات عند حدوثها او قبل حدوثها لغرض التحكم في النتائج والاضرار المتتابعة التي يمكن أن تترتب على الخلل الحاصل والمؤدي الى تلك النتيجة او الضرر او الخسارة. ويمكننا التوجه نحو تشكيل خلية ازمة من خلال انشاء مركز خاص لادارة الازمة .
تزويد‮ ‬المركز‮ ‬بخبراء‮ ‬محليين‮ ‬للتعامل‮ ‬مع‮ ‬الجوانب‮ ‬المختلفة‮ ‬للازمة‮.‬
فالتهرب من تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية لن يقود الى اقل من تفاقم الازمة وتحكمها في مجريات الإدارة العامة ، والعكس صحيح ان تعاملنا معها بشكل مباشر، وهنا قابلية التحكم فيها تصبح في متناول امكانيتنا الحالية رغم محدوديتها ، الا اننا ينقصنا الإقرار بالأزمة للتعامل‮ ‬معها‮.‬
إذ يتطلب الأمر القيام باتخاذ أصعب القرارات وأسرعها . فالسمة الرئيسية للقيادة في الأزمات هي الإبقاء على بساطة الأشياء وأن يطلب من الناس مثلاً القيام بالأشياء أو الأعمال التي تدربوا عليها وليس القيام بأعمال جديدة غير معتادين عليها .
باختصار إن إدارة الأزمة تتطلب السرعة في التصرف والاعتراف بالحقيقة , كما أن تحدي الأزمة ومواجهتها أفضل من الهروب ويجب أن نعترف بحقيقة ثابته هي أن عقارب الساعة تدور دائمًا إلى الأمام و أن الزمن لا يعود للوراء أبدًا ، واجترار الماضي لن يولد طاقة دافعة للتغير أيا‮ ‬كان‮ ‬هذا‮ ‬الاجترار،‮ ‬فدول‮ ‬كثيرة‮ ‬ليس‮ ‬لها‮ ‬تاريخ‮ ‬حضاري‮ ‬تتحكم‮ ‬اليوم‮ ‬في‮ ‬مقدرات‮ ‬العالم‮ .‬

‮* ‬هناك‮ ‬من‮ ‬يرجع‮ ‬سبب‮ ‬هذا‮ ‬الغياب‮ ‬إلى‮ ‬غياب‮ ‬التخطيط‮ ‬الاستراتيجي‮.. ‬ما‮ ‬تعليقكم؟
- الإدارة بلا تخطيط بشكل بسيط جدا هي كمشروع المياه بلا ماء او اسلاك الكهرباء المعلقة على الاعمدة بلا كهرباء ، فالتخطيط بلا شك هو أداة الإدارة الرشيدة في التحكم بمجريات حركة المنظمة كبرت أو صغرت هذه المنظمة وفي حالنا لدينا وزارة للتخطيط متخصصة في هذا المجال ، وأيضا تم التفكير بالرؤية الوطنية، وسميت الرؤية الوطنية 20 / 30 وهي في تقديرنا خطوة ممتازة لكن لم ترافقها ادارة ازمة لقياس الوضع الراهن والتحرك للهدف من معطيات الحاضر ليس هناك مستحيل اذا استخدمنا الادوات الصحيحة لذا ظلت الاستراتيجية الوطنية او ما اصطلح عليه‮ ‬بالرؤية‮ ‬الوطنية‮ ‬حبراً‮ ‬على‮ ‬ورق‮ ‬حتى‮ ‬الآن،‮ ‬وتم‮ ‬الاتجاه‮ ‬لتسميات‮ ‬المستويات‮ ‬الإدارية‮ ‬للقائمين‮ ‬عليها‮ ‬وتوزيع‮ ‬المراتب‮ ‬الوظيفية‮ ‬دون‮ ‬الاهتمام‮ ‬بجوهر‮ ‬الرؤية‮ ‬واهميتها‮. ‬

‮* ‬باعتباركم‮ ‬من‮ ‬الشخصيات‮ ‬الأكاديمية‮ ‬المتخصصة‮ ‬في‮ ‬علم‮ ‬الإدارة‮ ‬والتخطيط‮ ‬الاستراتيجي‮.. ‬كيف‮ ‬ترون‮ ‬واقع‮ ‬هذا‮ ‬التخطيط‮ ‬في‮ ‬السياسات‮ ‬والتوجهات‮ ‬الحكومية‮ ‬وفي‮ ‬الاطارات‮ ‬الحكومية‮ ‬المختلفة؟
‮- ‬من‮ ‬مسؤوليات‮ ‬الإدارة‮ ‬ومهامها‮ ‬الرئيسية‮ ‬ايجاد‮ ‬رؤية‮ ‬استراتيجية‮ ‬للدولة‮ ‬في‮ ‬الاتجاه‮ ‬العام‮ ‬ولكل‮ ‬مؤسسة‮ ‬على‮ ‬وجه‮ ‬الخصوص‮ ‬من‮ ‬منظور‮ ‬التكامل‮ ‬بين‮ ‬المؤسسات‮ ‬المختلفة‮ ‬كونها‮ ‬تصب‮ ‬في‮ ‬تحقيق‮ ‬الهدف‮ ‬الرئيس‮ ‬للدولة‮ . ‬
وهنا لابد من تأصيل فلسفة أن يكون الابتكار والمرونة دعامتين أساسيتين لاتخاذ القرارات مع الإبقاء على بساطة الأشياء وأن يطلب من الناس مثلاً القيام بالأشياء أو الأعمال التي تدربوا عليها وليس القيام بأشياء أو أعمال جديدة غير معتادين عليها .
وبلا شك من استقراء تجارب الدول التي سبقتنا في تطور الإدارة فهناك اكثر من طريقة للتخطيط لكن كلها تؤكد على تحديد الهدف العام كأولوية قصوى ، ومنه تنطلق آليات التخطيط ، وفقا للتخطيط في المدى المنظور او الابعد، ولك إدارة آلياتها الناشئة من خصوصيتها في الأسلوب التخطيطي،‮ ‬
وهنا يجب التأكيد على ضرورة سيادة مبدأ التفكير للتخطيط بدلا عن سياسة انتظار الحدث ثم مواجهته ، فدائما ما تكون الاحداث مترابطة مما يصعب معها تلافي المشكلة فيصبح حل مشكلة على حساب أخرى فالآن على سبيل المثال حل مشكلة المرتبات بعيدا عن حساب معايير التضخم وقياس اثار التدفقات النقدية غير المخططة سيسبب نشوء مجالات مضاربة غير واردة على البال ، اما عندما نخطط بشكل مدروس لكل خطوة نستطيع توقع النتائج والانحرافات قبل حدوثها واعداد سيناريوهات المواجهه مع حساب الخسائر .

‮* ‬في‮ ‬حالة‮ ‬الاستمرار‮ ‬لهذا‮ ‬الغياب‮ ‬للتخطيط‮ ‬في‮ ‬نظركم‮ ‬ما‮ ‬أبرز‮ ‬التأثيرات‮ ‬السلبية‮ ‬على‮ ‬النشاط‮ ‬الحكومي‮ ‬على‮ ‬المستويين‮ ‬القريب‮ ‬والبعيد؟
- لا ارغب بأن أكون متشائماً لكن حجم المخاطر سيكون كبيراً فالعالم الآن يلجأ للتخطيط عبر مراكزه المتخصصة والتخطيط يسبقه تحديد الأهداف بعيدة المدى وهذه يسبقها أبحاث متخصصة يضطلع بها خبراء واكاديميون وضمن أجواء مشجعة حيث يعتبر التخطيط بكل اشكاله سمة من سمات المجتمعات المتحضرة وسمة من سمات الدول الجادة وتنشئ الدول لذلك مراكز متنوعة وتخصصية في مختلف مفردات الحياة بحيث تضمن اتخاذ القرار في ظل معلومات نوعية ترشد القرار وتمنحه القوة والثبات وتحقيق الهدف.

‮* ‬هل‮ ‬يعني‮ ‬هذا‮ ‬ان‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬التخطيط‮ ‬الاستراتيجي‮ ‬او‮ ‬الآني‮ ‬مازال‮ ‬بعيد‮ ‬المنال‮ ‬؟
- هناك آليات للعمل من أسلوب النموذج »A« والذي يتبع المنهج المرحلي والمتغير مع بقاء الهدف محدد ويعتمد على مبدأ التخصص وتقسيم العمل والنموذج »J« والذي ينطلق من التخطيط الاستراتيجي وفقاً لمديات معينة ولكن أيضا مع مشاركة جماعية من كل العاملين وهناك التخطيط وفقاً للفلسفة اليابانية »Z« وهو ما يعتمد على التفكير الجماعي لكل افراد المنظمة كونهم المنفذ والمستفيد في النهاية ، وهذا النموذج من الصعوبة بمكان التعامل معه فنجاحه اعتمد على الخصائص البيئية اليابانية ، ونحن في الإدارة اليمنية بدأنا التخطيط منذ العام 1974 في برنامج الانماء الثلاثي وتلته الخطط الخمسية والتي لم تكن معلومة لاحد سوى وزارة التخطيط المعنية بإعداد مؤلف موسمي اسمته الخطة الخمسية ثم كتاب آخر هو تقييم لهذه الخطة ، دون ان يتبع ذلك محاسبة جادة للمسؤولين عن التنفيذ ولا المخططين، وتصدر الجهات تقارير (رفع عتب‮) ‬سنوية‮ ‬الى‮ ‬رئاسة‮ ‬الحكومة‮ ‬لتدخل‮ ‬غياهب‮ ‬الادراج‮ . ‬
وانا متفائل برغم الصيغة التشاؤمية للسؤال فقد نهض غيرنا عندما تعامل مع العلم كمعطيات طبيعية للبقاء والتحول الى رقم يتم معادلته في المعايير الدولية لذا من الممكن ان تكون لدينا آلية في التخطيط مستوحاة من معطيات العلم ولكنها أيضا تنطلق من خصوصيتنا الذاتية ، هنا سننجح كون ما يأتي من ذاتك يحمل خصوصيتك ويصبح ممكن التنفيذ وقابلاً للتطور وهذا على العكس من القوالب الجاهزة غير الملائمة لبيئتنا وظروفنا . وهذا يتطلب منا تطوير اساليبنا الخاصة ، وكذلك اختيار القيادات الإدارية المناسبة، واي من هذه الأساليب تتطلب تدريب القيادات‮ ‬الإدارية‮ ‬التحويلية‮ ‬والتي‮ ‬تتطلبها‮ ‬المرحلة‮ ‬الراهنة‮ ‬وليس‮ ‬القيادات‮ ‬التقليدية‮. ‬فقط‮ ‬المطلوب‮ ‬هو‮ ‬الجدية‮ ‬في‮ ‬الاتجاه‮ ‬وتحديد‮ ‬هذا‮ ‬الاتجاه‮.‬

‮* ‬هل‮ ‬هناك‮ ‬دراسات‮ ‬ميدانية‮ ‬بحثية‮ ‬حول‮ ‬التخطيط‮ ‬الاستراتيجي‮ ‬ومدى‮ ‬وجود‮ ‬الوعي‮ ‬بهذا‮ ‬الجانب‮ ‬المهم‮ ‬في‮ ‬العملية‮ ‬الإدارية؟‮ ‬
‮- ‬لا‮ ‬توجد‮ ‬في‮ ‬المرحلة‮ ‬الراهنة‮ ‬دراسات‮ ‬بهذا‮ ‬الاتجاه‮ ‬ولكن‮ ‬سبق‮ ‬لخبراء‮ ‬من‮ ‬المعهد‮ ‬والخدمة‮ ‬المدنية‮ ‬اجراء‮ ‬اختبارات‮ ‬تقييم‮ ‬الجدارة‮ ‬وتقييم‮ ‬الكفاءات‮ ‬لشاغلي‮ ‬الوظائف‮ ‬القيادية‮ ‬في‮ ‬محافظة‮ ‬تعز‮ ‬قبل‮ ‬سنوات‮.‬
وقام أيضا فريق من خبراء المعهد بإعداد آليات تقييم القدرات واختبار الكفاءات لشاغلي المناصب القيادية في الخدمة المدنية بدءاً بالوزارة ومن ثم تعميم التجربة لبقية الوزارات الا انها لم تر النور بسبب اتخاذ الوزير في حينها قرارات التعيين ارتجالاً، ويمكن إعادة التجربة ان كانت هناك نية أصلاً لدى وزارة الخدمة المدنية واتجهت بجدية في تحمل مسؤولياتها بالتعاون مع المعهد، ووفقاً للدور الطبيعي المنوط بالمعهد أي إعطاء المعهد مكانته الطبيعية في تقديم البحوث والاستشارات الإدارية للدولة.
في المفهوم الحديث الآن بدأ الاتجاه نحو الإدارة الاستراتيجية وصناعة المدير الاستراتيجي وهي ثمرة طبيعية لمفهوم التخطيط الاستراتيجي ، اذ تتجه الى توسيع نطاقه ، فالتخطيط الاستراتيجي كما هو معلوم يهتم بالمستقبل ، في حين تهتم الإدارة الاستراتيجية بالحاضر والمستقبل معا ، وهي بذلك تتجاوز التخطيط الاستراتيجي بربط معطيات الحاضر بمتطلبات المستقبل ، وذلك من خلال سلسلة من القرارات والمهام التي تؤدي الى الوصول الى استراتيجيات فعالة، وتهتم الإدارة الاستراتيجية بتحليل البيئة الداخلية والخارجية معاً للوصول الى التطبيق المناسب واختيار الاستراتيجية المناسبة ، وهو ما تتطلبه بلادنا في الوضع الراهن ، حيث المطلوب هو تتبع وتقييم الأداء المؤسسي لكل المرافق دون استثناء لضمان التفاعل المتناغم بين الأجهزة الرئيسية والفرعية في الإدارة العامة كونها أصلاً منشآت متكاملة وذات نشاط تكاملي في كل مفاصلها وبذا تصبح الإدارة الاستراتيجية تقوم بمرحلتين معاً تتمثل في اعداد الاستراتيجية وتنفيذها، وهنا عند اختيار فرق عمل الإدارة الاستراتيجية وفقاً لمعايير الكفاءة والجدارة يجب ان تتسم بخصائص القدرة على التفكير الاستراتيجي.

‮* ‬ما‮ ‬دور‮ ‬المعهد‮ ‬الوطني‮ ‬للعلوم‮ ‬الإدارية‮ ‬في‮ ‬تنمية‮ ‬هذا‮ ‬الوعي‮ ‬باعتباره‮ ‬يمثل‮ ‬بيتاً‮ ‬للخبرة‮ ‬الإدارية‮ ‬في‮ ‬البلاد؟
- المعهد الوطني للعلوم الإدارية هو المؤسسة العلمية المنوط بها تأهيل وتدريب موظفي الدولة في كل قطاعات العمل وهو يوازي في عمره عمر الدولة اليمنية الحديثة الا ان هذا الدور اغفل رغم ان الرؤية الوطنية تضمنت واناطت به دور تطوير الإدارة العامة وقياس ادائها والنهوض بها الا ان عدم الاهتمام او بالأحرى السعي للاستحواذ غير المنطقي قاد الى انشاء مركز لبناء القدرات كما اسموه والذي نرى انه فقط خلق وظائف لن تقدم للإدارة العامة اي جديد كون ذي الاختصاص وهو المعهد الوطني الذي يتمتع بالخبرة الكاملة والخبراء ذوي الكفاءة خارج المعادلة‮ ‬،‮ ‬ليس‮ ‬الهدف‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬تحميل‮ ‬مسؤوليات‮ ‬لاحد‮ ‬ولكن‮ ‬ما‮ ‬نؤكده‮ ‬ان‮ ‬هذا‮ ‬التخبط‮ ‬لن‮ ‬يقدم‮ ‬اي‮ ‬دور‮ ‬في‮ ‬تحقيق‮ ‬الاستراتيجية‮ ‬المتوقعة‮ ‬وفقا‮ ‬للرؤية‮ ‬الوطنية‮..‬
ادارة المعهد غير مواكبة لدور المعهد او غير مدركة لما يجب ان يقوم به المعهد وتنتظر معجزة للإنجاز، فالمعهد يستطيع تحريك آليات لفت الانتباه للمخاطر المتوقعة بل ودق الناقوس من الوضع الراهن ووضع الحلول العلمية من خلال قيادة التوجه نحو فن الممكن والسيطرة على اوعية‮ ‬الموارد‮ ‬وتوحيد‮ ‬مصباتها‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬الاستفادة‮ ‬من‮ ‬جهات‮ ‬الاختصاص‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬بتدريبها‮ ‬وتحفيز‮ ‬القدرات‮ ‬الكامنة‮ ‬لدى‮ ‬قوى‮ ‬العمل‮ ‬فيها‮.‬

لقد قام المعهد بتدريب قيادات الوزارات على التخطيط الاستراتيجي الا ان الحلقات لم تستكمل كما توقعنا من خلال ترجمة هذه التدريبات الى خطط مجدولة تتعامل مع الواقع والامكانات المتاحة والتحرك للأمام وان يتم التخطيط تحت اشراف المعهد ووزارة التخطيط لكل جهة على حدة ومن‮ ‬ثم‮ ‬تجميعها‮ ‬في‮ ‬شكل‮ ‬خطة‮ ‬موحدة‮ ‬تتناسب‮ ‬مع‮ ‬الرؤية‮ ‬الوطنية‮ ‬وتحويل‮ ‬ترجمة‮ ‬ما‮ ‬على‮ ‬الورق‮ ‬الى‮ ‬اداء‮ ‬ملموس‮ ‬وقياسه‮ ‬ومحاسبة‮ ‬كل‮ ‬مسؤول‮ ‬بحسب‮ ‬إنجازه‮. ‬
واذا كان هناك إرادة سياسية للنهوض فمدخل هذا النهوض لتحقيق هذه الإرادة يبدأ من المعهد وهو الجهة المؤهلة لتطوير الإدارة والنهوض بها نحو مستقبل افضل ولكن بشرط ان يتم اختيار قياداته من داخله وان لا يكون أداة للتخلص ممن يراد التخلص منهم او مدخلاً لترفيع من يراد‮ ‬ترفعيه‮ ‬انما‮ ‬يتم‮ ‬التعامل‮ ‬معه‮ ‬كمستشفى‮ ‬الإدارة‮ ‬المركزي‮ ‬يتحكم‮ ‬فيه‮ ‬متخصصوه‮ ‬ليستطيع‮ ‬اشفاء‮ ‬الإدارة‮ ‬من‮ ‬أي‮ ‬وعكات‮ ‬او‮ ‬مكامن‮ ‬خلل‮.‬

‮* ‬للفت‮ ‬انتباه‮ ‬الحكومة‮ ‬لهذا‮ ‬المطلب‮ ‬الملح‮ ‬هل‮ ‬بالامكان‮ ‬التخطيط‮ ‬لندوات‮ ‬او‮ ‬حلقات‮ ‬نقاشية‮ ‬للوقوف‮ ‬أمام‮ ‬هذه‮ ‬المتطلبات؟
- نعم الضرورة باتت الآن تحتم ان يتم عقد ندوات وورش عمل لتوجيه الرأي العام الحكومي على مستوى متخذي القرار والرأي العام على مستوى الوظائف التنفيذية في الإدارات الوسطى الإشراقية والإدارات التنفيذية لكي نستطيع تدارك التدني الكبير في أداء المؤسسات والقائمين عليها والتحريك في هذه المرحلة من الأهمية بمكان بعيداً عن فلسفة السياسة وآلياتها غير المواكبة لمعاناة الجهاز الإداري وادائه المتدني جداً وهذا الدور يجب ان يقوم به المعهد الوطني في المرحلة الراهنة شريطة ان تبدأ قيادة المعهد بالتحريك وفقاً للتفكير الابتكاري وتحفيز‮ ‬الكادر‮ ‬والذي‮ ‬بدونه‮ ‬لن‮ ‬يتحقق‮ ‬أي‮ ‬تحرك،‮ ‬والابتعاد‮ ‬عن‮ ‬ادعاء‮ ‬حسابات‮ ‬التوفير‮ ‬المالي‮ ‬غير‮ ‬المنطقية‮ . ‬

‮* ‬كلمة‮ ‬أخيرة؟
- وهنا لن أتكلم بشكل معتاد كتوصية اخيرة ولكن باستقراء المحيط والتغيرات المهولة فيه، فما ننتظره اليوم كثروة قد لا يكون غدا ذا قيمة فلكي ننطلق بقوة لابد ان نتلمس الكلمات التي تصف قوة ومدى التحول الهائل في المحيط حولنا ، فالبعض يتحدث عن العصر الفضائي وعصر المعلومات‮ ‬والحقبة‮ ‬الالكترونية‮ ‬والقرية‮ ‬العالمية‮ ‬وكما‮ ‬قال‮ (‬بريجنسكي‮) ‬نحن‮ ‬نواجه‮ ‬عصراً‮ ‬تكنولوجياً‮.‬
وهو بذلك يتوقع مرحلة ما بعد الموجة الثانية والمتمثلة في الثورة الصناعية وكل شيء في هذه الحضارة الجديدة يتناقض ويتعارض مع الحضارة الصناعية القديمة وهي في ذات الوقت تكنولوجيا متقدمة مناهضة للحركة الصناعية.
فالمرحلة القادمة كما يراها (توفلر) قائمة على أسس من مصادر الطاقة المتنوعة والقابلة للتجدد ، وعلى أسس جديدة تقوم عليها المؤسسات التي يمكن ان نطلق عليها الكوخ الالكتروني، بدلا من المصطلح الذي ساد لعقود ان العالم بات قرية صغيرة وهو ما يتطلب أساليب إدارة ابسط واكثر‮ ‬فاعلية‮ ‬واعلى‮ ‬شفافية‮ ‬،‮ ‬بحيث‮ ‬يكون‮ ‬لدينا‮ ‬إدارة‮ ‬تتعامل‮ ‬في‮ ‬استشرافها‮ ‬العالمي‮ ‬على‮ ‬طرق‮ ‬خاصة‮ ‬في‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬الزمان‮ ‬والمكان‮ ‬والمنطق‮ ‬وقانون‮ ‬السببية‮.‬
أوجدت‮ ‬الموجة‮ ‬الصناعية‮ ‬نظاماً‮ ‬فعالاً‮ ‬بتقنياته‮ ‬المميزة‮ ‬ومؤسساته‮ ‬وقنواته‮ ‬الإعلامية‮ ‬المرتبطة‮ ‬ببعضها‮ ‬البعض‮ ‬بقوة‮ ‬،‮ ‬لكن‮ ‬البنى‮ ‬التحتية‮ ‬للمجتمعات‮ ‬تمزقت‮ ‬مما‮ ‬قاد‮ ‬الى‮ ‬خلق‮ ‬توتر‮ ‬اقتصادي‮ ‬وصراعات‮ ‬وقلق‮.‬
وقد‮ ‬انطلق‮ ‬المفهوم‮ ‬الحضاري‮ ‬من‮ ‬قواعد‮ - ‬التوحيد‮ ‬القياسي‮ - ‬والتخصص‮ -‬والمزامنة‮ - ‬والتركز‮ ‬السكاني‮ - -‬والحد‮ ‬الإنتاجي‮ ‬الأقصى‮ ‬والمركزية‮.‬
هذه القواعد نشأت من التفكير الواقعي رغم تصادمه مع معطيات المجتمع وقيمه السائدة واساطيره التي لازمته ابان الحقبة الزراعية وظلت في منظومة العالم الثالث، وذلك بسيطرة الواقعية الصناعية حيث يمكن اعتبار هذه المرحلة بالفيضان المفاجئ .
لذا وجوباً ان نبدأ في البحث عن دلالات التحول الجديدة لا الصناعية التي ستحيط بحياتنا المستقبلية مع تطور التكنولوجيا المحوسبة والتي ستدخل في مجال التقنيات الصناعية مما سيخفض كلفة الإنتاج الى حد قياسي جداً.
لذا بدون ان ندرك ان زمن الحسابات الآنية قد ولى الى غير رجعه فلن يصبح لأي توجه من قبلنا أي قابلية للنجاح ، الا من خلال صناعة الثروة الحقيقية وهي متمثلة بشكل مباشر في القوى البشرية ، والتي هي محور التطور وغايته ، فالإدارة الفعالة هي التي تتمكن من امتلاك القدرة على التفكير الاستراتيجي من المنطلق المحتوى لكل القوى البشرية والابتعاد عن الرؤية الضيقة ، فالتطور سينعكس إيجاباً على الكل ، وعكسه سيقود الى تضرر الجميع ، ومعهد الإدارة هو المحور الرئيس للتنمية البشرية وتنمية أنظمة العمل والتي بها تتقدم الإدارة لتحقيق الأهداف‮.‬


تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 01-ديسمبر-2021 الساعة: 07:17 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-60788.htm