الميثاق نت -

الجمعة, 17-مايو-2024
محمد علي اللوزي -
(المركزية الأوروبية) نظرية اعتنقها (الأوروأمريكي) وكأنها ديانة لديه، بحيث تتمحور الحضارة بكل ما أنتجه وأبدعه الإنسان ملخصاً في حضارة الغرب.. هي الواهب الوجود معناه، وهي لُبّ الفكر والثقافة والإبداع والتميز والقدرة على العطاء؛ والآخر مجرد فاصلة ومتلقٍّ مستهلك..!! هكذا (المركزية الأوروبية) فرضت نفسها على كافة الصُعد سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية، وقد تَمثَّل كل ذلك في الاستعمار (الكولونيالي) الذي غب من مقدرات واقتصاديات وثروات الشعوب، ما مكنه من صناعة حضارة غربية استعلائية (فو طبيعية) مهيمنة وقامعة للآخر، تتخذ منه وسيلة لتعبيد طريق الصعود والبقاء في مستوى الأستاذ المعلّم الواجب الطاعة والانصياع له، فيما الآخر مجرد تلميذ متلقٍّ وعليه أن يبقى كذلك مهما أنتج وأبدع وساهم في الحضارة الإنسانية.. هذه المركزية الأوروبية أو لنقل (الأصولية) الجديدة خلقت لدى الغربي (الأوروأمريكي) شعوراً بالتميز الذي وصل إلى مستوى صناعة (السوبرمان) كفلسفة (نتشوية) تنزع نحو القوة الخارقة التي لا تقبل البشري العادي، وترى أنه عالة يجب تجاوزه بل وسحقه، لكونه يعيق التطور إلى الأمام، ويشكل عالة على الإنسانية، بهذه الروح القامعة والاستعلائية والمنصهرة في بوتقة التمركز على الآخر واعتباره مجرد هامش على متن، وُلدت (النازية) و(الفاشية) التي تبحث عن الإنسان الكامل البناء الخالي من العيوب والأمراض، أو لنقل الناضج، ومنها انسلخت (الشوفينية) الآرية الاستعلائية لتجر الكوكب الأرضي إلى حربين عالميتين مرعبتين سار ضحيتهما عشرات الملايين من البشر..
لاشك أن (الاصولية) الغربية قد اتخذت مسارات أخرى كي تعفي نفسها من مسئولية تدمير حياة، وتتخلص من عقدة الذنب بذات الثقافة التي أنتجت النازية، لنجد الأوروبي يتقاسم العالم ويسلبه موارده المادية وحتى العقول البشرية عبر المهاجرين إليه من أصقاع المعمورة والذين أحدثوا تطورات متسارعة وكبيرة سُجلت باسم الأوروأمريكي ومركزيته الأوروبية، بما يعني أننا أمام ثقافة استغلال واستبداد في آن واحد.. تمظهرات هذه الثقافة برزت في كل جوانب الحياة على المستويات الإعلامية والتواصل الاجتماعي وقنوات الدعاية والإعلان والسينما والاقتصاد والرياضة والثقافة.. الخ.. لعل الحرب (الروسية الأوكرانية) أحد أهم مخرجات (المركزية الأوروبية) التي كشفت بقوة رؤية معنى الغرب الاستبدادي والأصولية الأوروأمريكية، وقد رأينا كيف سعى الغرب إلى محاصرة (روسيا) وكأنه المالك الحصري لحقوق البشرية في كل جوانب الحياة، وهو المحتكر لها والمانح والمعطي ما يشاء.. رأينا ذلك في إخراج روسيا من المشاركة في الألعاب الرياضية وكأس العالم، الذي يبقى مجرد عنوان باسم العالم، فيما الحقيقة أن الهيمنة غربية لا مِراء في ذلك.. كما تم إخراجها من نظام (سوفت) المالي لنعرف أن العالم مخنوق بيد الأوروأمريكي، ثم ما تبع ذلك من حصار وتدفق سلاح لـ (أوكرانيا) بهدف ضرب (روسيا) ثقافياً واقتصادياً، ليسهل بعدئذ بسط النفوذ واستكمال الهيمنة على الشرق.. إنها النازية الجديدة حقاً التي تكافح روسيا الاتحادية من أجل القضاء عليها؛ لتتموضع ثقافة إنسانية وأقطاب متعددة لا مجال فيها للهيمنة والاستعلاء وقمع حركات التحرر والدول النامية والفقيرة.. إنها حرب لولادة جديدة وعالم يسوده القِيَم بدلاً من ثقافة الاستهلاك وتشييئ الإنسان والتعامل معه كترس في الاقتصاد، وجعْله مجرد مستهلك لا ينبض بالمشاعر ولا يفكر بما يليق به كإنسان، وإنما مجرد بشري يعود بمداخيل لشركات إنتاجية كبرى وعليه أن يبقى هكذا، يعيش مستهلكاً، نزوعه مادي يدر أموالاً للمنتج (الأوروأمريكي).. أحد أهم أسباب الحرب الأوكرانية المتمثلة في (الأوروأمريكي)مع روسيا هو رفض هذه المركزية والأصولية الغربية، ومحاصرة الإنسان باسم الحقوق والحريات من أن يكون ناضجاً.. بالتأكيد فإن محاولة قبول (أوكرانيا) في (الناتو) قد فشلت بما يعني فشل الغرب في السيطرة والاستعلاء، وتمكين القبضة الحديدة من خنق (روسيا) ليبقى العالم تابعاً خانعاً ذليلاً للغرب (السوبرمان).. في كل الأحوال القطبية الواحدة انهزمت أمام الثقافة بقِيَمها الروحية والجمالية المكتنزة في الصين وروسيا والهند وكثير من الدول ذات الحضارة الإنسانية ببُعدها القِيَمي.. والواقع أننا أمام قادم متغيّر على درجة عالية من الحرية وتحقيق العدالة، أو قدر منها بتجاوز الغرب والإفلات من قبضته الحديدية، وآلته الإعلامية الجبارة، التي غرست في بقية المعمورة الشعور بالإذلال والعجز والفشل أمام قواه المتعددة والتي نشأت أو تكونت في الكثير من جوانبها على نهب ثروات الشعوب وخيرات الأمم.. ما نجده اليوم هو تحولات عميقة في قلب النظام العالمي الجديد المتمثل فيما يسمى بـ (عصر آسيا)، وهو عصر ينبني على تحطيم (المركزية الأوروبية) والاتجاه نحو تعدد الأقطاب والاستقرار على احترام حضارة الشعوب وتلاقحها، بما يعبّر عن رفاه وسعادة الإنسان الذي طالما تعرض للقهر والسيطرة منذ نشوء فكرة (السوبرمان) ونظرية البقاء للأقوى و(الانتخاب الطبيعي)،أو البقاء للأصلح، ويرمز إليها بشكل غير مباشر للإنسان الأوروبي الأنضج، وإنْ كانت لدى (دارون) مثلاً في الاتجاه المعبّر عن نظرية (الانتخاب الطبيعي)، كما هي عند (سبنسر) أيضاً؛ وهي في مجملها ترمز للمركزية الأوروبية، وقد انتقلت لدى (هربرت سنبسر) إلى نظرية تطور الفنون.. المسالة إذاً أننا أمام ثقافة غربية تلتهم الحقوق والحريات، وتتمظهر بالإنساني وقِيَم الديمقراطية، وهي إقصاء وإنكار للآخر.. المجال لايعطينا مساحة للتوسع في هذا الجانب.
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 17-يوليو-2024 الساعة: 10:37 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-66029.htm