حاوره/ توفيق عثمان الشرعبي - في الذكرى الـ58 لعيد الاستقلال الوطني، يطل القيادي الوطني البارز والوزير السابق ناصر باقزقوز، عضو فريق المصالحة الوطنية، ليقدم عبر صحيفة "الميثاق" قراءة حقيقية وجريئة لتاريخ 30 نوفمبر، ويكشف معطيات الواقع السياسي والاجتماعي الراهن في المحافظات الجنوبية المحتلة، ويضع النقاط على الحروف فيما يخص العلاقة بين الشعب اليمني وقيادته والمحتل الجديد..
في هذا الحوار، لا يكتفي الأستاذ ناصر بإعادة سرد التاريخ، بل يربطه مباشرةً بواقع اليوم، مسلّطاً الضوء على الاحتقان الشعبي، والفشل الدبلوماسي لقوى الارتزاق، ودور صنعاء في توجيه بوصلة الصراع، وأهمية استعادة الدولة والحرية والسيادة.. حديثه مباشر وصريح، يكشف الحقائق التي يغض الطرف عنها الكثيرون، ويعيد تسليط الضوء على صمود الشعب اليمني وقدرته على مواجهة الاحتلال بكل أشكاله..
إنه حوار ليس مجرد كلمات، بل دعوة واضحة وصريحة للشعب اليمني للوعي بالواقع، وللقيادة للانتباه لما يجري على الأرض، في الجنوب والشمال، وللتأكيد على أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا باستعادة السيادة والكرامة لكل شِبر من وطننا..
مضامين الحوار في المساحة التالية:
*بدايةً.. ماذا تمثّل لكم ذكرى 30 نوفمبر، وكيف تقرأون تلك اللحظة التاريخية التي غادر فيها آخر جندي بريطاني أرض جنوب الوطن ؟
ـ في البدء نرحّب بكم في صحيفة "الميثاق" ومن خلالكم نهنّئ شعبنا بهذه المناسبة الوطنية الخالدة..
وبالنسبة لسؤالك فمناسبة الـ30 من نوفمبر تمثّل لنا محطة وطنية نعتز بها كثيراً، خصوصاً نحن جيل السبعينيات الذي عاش أثر هذه اللحظة مباشرةً، فقد منحنا الاستقلال دولة موحَّدة كاملة السيادة، بعد أن رحل الاحتلال البريطاني الذي جثم على جنوب الوطن 129 عاماً.. بفضل هذه المناسبة وجدنا دولة بلا مشيخيات ولا سلاطين، دولة جمعت أبناء الجنوب من المهرة حتى عدن تحت راية واحدة..
لكن المؤلم اليوم أننا نُحيِـي ذكرى الاستقلال في وقتٍ ترزح فيه أجزاء من وطننا تحت الاحتلال الإماراتي والسعودي ومن خلفهم الأمريكي والصهيوني.. نشعر بغصّة حقيقية لأن تضحيات المناضلين الذين قدّموا أرواحهم لبناء دولة حُرة تُقابَل الآن بمحاولات إعادة تلك الوصاية عبر أدوات محلية، كالمجلس الرئاسي وقياداته.. من المؤسف أن مَنْ ينتمون لمناطق انطلقت منها شرارة الثورة في ردفان والضالع هم أنفسهم من يفتحون الباب لعودة المحتل بأشكال جديدة..
لهذا لم يعد 30 نوفمبر مجرد ذكرى للاستقلال، بل أصبح دعوة متجدّدة للتحرير واستعادة السيادة الكاملة على كل شِبر من أرضنا..
*برأيكم، ما أبرز الدروس التي يمكن الاستفادة منها، بل يجب أن نستعيدها اليوم من تجربة النضال ضد الاستعمار؟
ـ بالطبع هناك دروس كبيرة يمكن استعادتها من تجربة النضال ضد الاستعمار.. أبناء المحافظات الجنوبية عاشوا في ظل دولة مستقلة تمتلك مؤسسات حقيقية، وكان المواطن يشعر بالكرامة والحرية التي جلبها 30 نوفمبر.. اليوم، وبعد أن عادت قوى الاحتلال للتحكم بالقرار وبكل تفاصيل الحياة في المحافظات المحتلة، بات الناس يدركون بشكل أوضح معنى السيادة ومعنى أن تكون لهم دولة تحميهم ولا تتحكم بهم..
الاحتلال لم يقدم خدمة واحدة، بل زرع الفِتن ومزَّق المجتمع إلى ميليشيات ومجاميع مسلحة تخدم مصالحه.. والناس اليوم يقارنون بين زمن الدولة التي صنعتها ثورة الاستقلال، وبين واقع الذل والقمع الذي يعيشونه حيث لا يستطيع أحد أن يرفع صوته.. هذه التجربة وحدها تعيد الوعي وتذكّـر الجميع بقيمة التحرُّر الحقيقي..
*كيف يمكن تحويل روح 30 نوفمبر إلى طاقة وعي ومقاومة في مواجهة ذلك؟
ـ تحويل روح 30 نوفمبر إلى وعي لمواجهة المحتل الجديد يبدأ من إدراك الناس حقيقتهم وحقيقة مَنْ يحكمهم اليوم.. في المحافظات الجنوبية أصبح الوعي متقدماً وواضحاً؛ الجميع يعرف أن الإمارات قوة احتلال، وأن الأدوات التي جاءت بها لا تمثّل الشعب، بل فُرضت بالقوة والقمع.. ما يحدث في مطار الريان بحضرموت مثالٌ صارخ على سيطرة المحتل رغم رفض الناس..
لقد خرجت الجماهير في مظاهرات حاشدة تطالب برحيل الاحتلال، وعبّرت بوضوح عن رفضها المجلس الانتقالي وأدواته، لكن القبضة الأمنية والاعتقالات والترهيب هي التي تكبح أصواتهم.. عشر سنوات من التجربة المريرة مع الاحتلال جعلت الناس أكثر وعياً؛ فهم يقارنون بين واقعهم اليوم وبين ما كانوا عليه قبل عقد من الزمن حين كان لهم هامش من الحرية والكرامة..
هذا الوعي الشعبي المتراكم هو الأساس الذي يمكن البناء عليه، وهو امتداد طبيعي لروح 30 نوفمبر التي ترفض الوصاية والاحتلال بكل أشكالهما..
*يعني أن أبناء المحافظات الجنوبية باتوا يدركون أن "استعادة الشرعية" كانت كذبة كبرى استغلها تحالف العدوان لانتهاك سيادة اليمن؟
ـ نعم، أبناء المحافظات الجنوبية باتوا يدركون تماماً أن ما تُسمى بـ“الشرعية” لم تكن سوى ذريعة استخدمها تحالف العدوان لانتهاك سيادة اليمن.. ما تُسمَّى بالشرعية ليست شرعية من الأساس؛ فهؤلاء لم يختَرهم الشعب، بل عُيّنوا في الرياض وأدّوا اليمين هناك، وليس لهم أي علاقة بإرادة اليمنيين..
وحتى الشرعية التي كانوا يزايدون بها سابقاً – شرعية عبدربه منصور هادي – تم استبدالها بشرعية أخرى هي “المجلس الرئاسي”.. وكل مواطن في الجنوب يعرف أن هذا المجلس لا يمثّل الناس، ولا يعمل لخدمتهم؛ يعيشون في الفنادق، ويكدّسون الثروات، ويمارسون الفساد، بينما المحافظات ترزح تحت الاحتلال..
واليوم يبحث الناس عن الطرف المخلص، عن القوة الوطنية التي يمكن أن تمد يدها لأبناء المحافظات الجنوبية ليتمكنوا من التخلُّص من المحتل الجديد واستعادة سيادتهم وكرامتهم..
*كيف تقيّمون الأوضاع في المحافظات الجنوبية والشرقية.. وما مدى ارتباط الصراعات هناك بمشاريع خارجية تهدف لإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية القديمة.. ؟
_ الوضع في المحافظات الجنوبية والشرقية خطير ومُعقَّد، لأن المحتل الجديد لم يكتفِ بالسيطرة المباشرة، بل أنشأ ميليشيات مسلحة تحت مسميات مختلفة مثل الحزام الأمني والنخب والدعم الأمني.. هذه التشكيلات ليست سوى أدوات لفرض السيطرة بالقوة، ولا ترتبط بأي مشروع وطني..
في حضرموت – على سبيل المثال – من الخطأ الاعتقاد أن المحافظ أو السلطة المحلية هم مَنْ يديرون المحافظة.. القرار الفعلي بيد الإماراتيين الذين يديرون كل شيء من داخل مطار الريان، حتى أن المحافظ نفسه لا يستطيع دخول المنطقة العسكرية هناك، وإنْ دخل فبشروط مهينة تصل إلى منعه من حمل الجنبيّة.. وهذا يلخّص الواقع: المحتلان الإماراتي والسعودي، ومن ورائهما البريطاني والأمريكي، هم أصحاب القرار الحقيقي، بينما الأدوات المحلية مجرد واجهات لا قيمة لها..
الاستثناء الوحيد هو حِلْف قبائل حضرموت بقيادة بن حبريش، الذي وقف بوضوح ضد الوصاية، وحَمَى النفط والأرض، ولم يخضع للمحتل.. ولهذا سارع المحتل لإنشاء قوة جديدة سمَّاها “الدعم الأمني” بقيادة شخص من حضرموت كان يعيش خارج البلاد، بينما القوة نفسها تتكوّن أساساً من مقاتلين من الضالع.. هذه سياسة مقصودة؛ لأن المحتل لا يريد قوات حضرمية قد ترفض تنفيذ أوامره، فيجلب عناصر من خارج المحافظة لفرض السيطرة على أهلها..
واليوم هناك تهديد واضح لحِلْف القبائل، ومحاولات لإخضاعه بالقوة، ومن المتوقَّع – إذا استمرت هذه السياسة – أن تندلع مواجهات كبيرة خلال أسابيع، شبيهة بما حدث في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش؛ فالمُسمَّى واحد، والنهج واحد، والقرار بيد الإمارات..
ما يحدث في حضرموت وبقية المحافظات المحتلة هو صراع نفوذ بين السعودية والإمارات، لكنهم ينقلون هذا الصراع ويُصفُّون حساباتهم على حساب أبناء الجنوب وأرضهم وثرواتهم..
*في ظل الممارسات التي ينتهجها المحتلان الإماراتي والسعودي وأدواتهما.. هل تتوقع للاحتقان الشعبي أن ينفجر في وجههما ويتحول إلى كفاح مسلح وتتردد هتافات بَـرَّعْ يا استعمار ؟
ـ نعم، في ظل الاحتقان المتصاعد في حضرموت وبقية المحافظات المحتلة يمكن القول إن الأوضاع تقترب من نقطة الانفجار؛ فحتى الميليشيات التي أنشأها المحتل تعيش اليوم خلافات وصدامات داخلية بسبب الصراع على الإيرادات، خصوصاً بعد أن طالب السعودي والإماراتي بتحويل الأموال إلى البنك المركزي، وهو ما تسبَّب بمواجهات بين هذه التشكيلات نفسها..
الناس أيضاً يعيشون بلا مرتبات وبلا خدمات، وقد جرَّبوا كل أشكال الاحتجاج السلمي؛ خرجت مظاهرات في عدن، وفي حضرموت، وفي المهرة، لكن المحتل قابلها بالقمع والترهيب.. وحين تُغلق الطرق السلمية كلها، يصبح من الطبيعي أن يبدأ الناس بالتفكير في الكفاح المسلح كخَيارٍ أخير لطرد الاحتلال..
ومع ذلك، هناك مَنْ يأمل أن تمد صنعاء يدها لأبناء الجنوب، لأن صنعاء حتى الآن تكتفي بالمراقبة دون تَدخُّل مباشر فيما يجري، رغم أن الناس يتطلعون لدور وطني يساعدهم في مواجهة المحتل الجديد..
*ربما أن صنعاء كانت خلال الفترة الماضية منشغلة بقضايا أخرى وفي مقدمتها موقفها البطولي المسانِد للشعب الفلسطيني في قطاع غزة.. ؟
ـ صحيح أن صنعاء منشغلة اليوم بقضايا كبيرة كمعركة غزة، لكن التجارب تقول إن ترْك جزء من الوطن في يد العدو يفتح أبواباً خطيرة، تماماً كما حدث في سوريا حين تُركت إدلب، فانطلقت منها الجماعات المتطرفة وأسقطت قوى المقاومة.. عندما تترك أرضك للخصوم، فإنهم يصنعون الفوضى ويهددون بقية الجبهات..
واليوم، في المحافظات الجنوبية، الاحتقان الشعبي ضد الاحتلال يتصاعد، والظلم يزداد، والناس وصلت لمرحلة تحتاج فيها إلى دعم وتشجيع كي تواجه المحتل.. نحن — أبناء المحافظات الجنوبية في صنعاء — طالبنا مِراراً ونـبَّـهنا من خطورة ترْك الجنوب تحت يد الاحتلال، لكن لا أحد يسمع..
لقد ابتعدتُ عن بيتي في حضرموت عشر سنوات، وما زلتُ أنتظر لحظة العودة؛ ومع ذلك، نرى أن صنعاء تكتفي بالمشاهدة، وكأن ما يجري في الجنوب لا يمسها، بينما الواقع يقول إن الخطر القادم من هناك سيؤثّر على الجميع..
*أستاذ ناصر.. كنتَ عضواً في الوفد الوطني لأكثر من جولة مفاوضات.. بنظركم ما الذي ينبغي على أي مشاورات أن تتحلى به من رؤية للحل.. ؟
ـ برأيي، أي مشاورات جديدة يجب أن تنطلق من حقيقة أن موقفنا اليوم أقوى بكثير مما كان عليه في جولات التفاوض السابقة، لأننا الآن أصبحنا نمتلك إمكانات عسكرية استراتيجية لتوازن الردع، وهذا يمنحنا قوة أكبر على طاولة الحوار؛لكن المشكلة ليست في المبدأ بل في آلية التفاوض الحالية.. لم يعد هناك وفد وطني بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ كل شيء بات محصوراً بشخصين – محمد عبدالسلام وزميله – لم نعد نعرف شيئاً عما يجري، وأيضاً المؤسسات الرسمية كوزارة الخارجية ومكتب الرئاسة والبرلمان ربما لا تعرف ما الذي يجري، وكأن ملف البلاد سُلّم لشخص واحد يتفاوض نيابةً عن الجميع..
هذا الأسلوب هو ما جعل الهدنة لا تنجح ولا المفاوضات تُستأنف، وهو ما يجعل الشعب في حالة غموض..
يومٌ يرتفع الخطاب الإعلامي ضد السعودية ويومٌ يهدأ، دون أن يعرف الشعب ماذا يحدث أو أين وصلت المفاوضات، مع أن المرحلة الحالية تحمل فرصة حقيقية لفرض شروط عادلة..
من هنا، أؤكد أن نجاح أي مشاورات قادمة يتطلب تشكيل وفد وطني حقيقي فاهم ومُحنَّك يمثّل كل القوى الوطنية ويعتمد الشفافية..
الشعب من حقه أن يعرف ما يجري، وأن يرى تفاوضاً يعكس تضحياته وقوته..
*هل تعتقدون أن هناك إمكانية اليوم لإجراء حوار "يمني ـ يمني" يتجاوز فيه اليمنيون خلافاتهم ويعملون على تعزيز مشروع وطني جامع يستوعب الجميع.. ؟
ـ إمكانية جلوس اليمنيين كلهم على طاولة واحدة مرهون أولاً بتحرُّر الطرف الآخر من الهيمنة السعودية والإماراتية.. ما دامت تلك القوى مرتهنة لقرار الخارج فلا يمكنها الدخول في حوار وطني حقيقي؛ فهي مجرد أدوات تتبع الرياض وأبوظبي ولا تملك قرارها السياسي..
نحن في صنعاء خُضْنا تجربة الحوار في الكويت، وتَـبيَّن في النهاية أن القرار لم يكن بأيدي تلك القوى، بل بيد السعودية، وهذا ما أفشل الحوار.. لذلك أرى أن الطريق الصحيح هو ما تعتمده صنعاء اليوم: التفاوض المباشر مع السعودية، لأنها الطرف الحقيقي في العدوان، وما سواها مجرد واجهات..
أما الحديث عن مشروع وطني جامع، فهذا ممكن فقط عندما يتوقف الدعم السعودي لهذه الأدوات وتستعيد تلك القوى قرارها الوطني.. عندها يمكن لليمنيين أن يجلسوا ويحلوا خلافاتهم بأنفسهم.. أما الآن، وطالما أن السعودية هي المتحكّـمة، فلا أعتقد أن حواراً يمنياً خالصاً يمكن أن ينجح..
*أستاذ ناصر أنت عضو في فريق المصالحة الوطنية.. هل هذا الفريق يقوم بالدور الذي أُنشئ من أجله؟
ـ فريق المصالحة ـ في تقديري ـ تم إجهاضه منذ اليوم الأول، رغم أن الفكرة كانت ممتازة..
كان الهدف أن نبادر نحن بالحوار، من دون انتظار الأمم المتحدة أو السعودية أو الإمارات لجلْب الطرف الآخر إلى طاولة واحدة، لأن التجربة أثبتت أن لا الأمم المتحدة نجحت في ذلك، ولا دول العدوان راغبة فيه..
ولهذا جاءت فكرة تشكيل فريق المصالحة من نحو عشرين شخصية في صنعاء، تضم قوى قبلية وسياسية وشخصيات جنوبية وحراكية، وبرئاسة الأستاذ يوسف الفيشي الذي يُعد شخصية جامعة ومقبولة لدى كثير من القوى، ويمتلك خِبرة وقُرباً من القيادة.. كان بالإمكان أن يمارس الفريق دوراً كبيراً في التواصل مع الطرف الآخر وفتح قنوات للحوار..
لكن الحقيقة أن الفريق جرى تعطيله من داخل صنعاء نفسها، إذ لم يُمنح أي صلاحيات فعلية، ولم يُفعل بالشكل المطلوب، وكأن دوره جُمّد بعد تشكيله مباشرة..
مع ذلك، أعتقد أنه إذا رفعت السعودية يدها عن اليمن، أو تم التوقيع على خارطة الطريق، يمكن إعادة تفعيل الفريق والنجاح في مهمته، لأن هناك في الطرف الآخر مَنْ يشعر بالقلق ومَنْ يريد العودة إلى الصف الوطني..
كما أرى أن دور فريق المصالحة يجب ألا يقتصر على التواصل مع الطرف الآخر فحسب، بل يجب توسيعه ليعالج الخلافات الداخلية بين القوى الوطنية نفسها..
نحن بحاجة إلى طاولة حوار داخلية أولاً، لأن غيابها يترك مساحة لظهور تباينات وضغوط تظهر حتى على مستوى قيادات عليا.. لهذا لا بد من إطار وطني جامع يدير الخلاف ويُعيد ترتيب البيت من الداخل قبل التوجُّه إلى أي مصالحة خارجية..
*قدَّمت صنعاء موقفاً بطولياً مشرّفاً في مسانَدة الشعب الفلسطيني في غزة.. ما تقييمك لهذا الموقف وانعكاسه الإيجابي على ما يمر به اليمن.. ؟
ـ بالنسبة لموقف صنعاء من غزة والقضية الفلسطينية، فقد كشفت الأحداث الأخيرة الكثير من الحقائق، وأظهرت بطلان الذرائع التي استُخدمت لتبرير العدوان علينا طوال عشر سنوات، مثل اتهامنا بأننا “روافض” أو أداة لإيران.. غزة أظهرت للعالم بأسْرِه أن محور المقاومة قادر على الصمود والدفاع عن فلسطين، وأن كل تلك الاتهامات لم تكن سوى أكاذيب.. شهداء حسن نصر الله وقيادة السنوار وهنية كانوا جميعاً من أجل غزة، وهذا أظهر التضامن الحقيقي والموقف القوي للمقاومة..
موقف صنعاء أكد أن اليمن يقف مع فلسطين والوطن العربي، وأظهر كذلك أن للشعب اليمني قائداً يقوده في الميدان والإعلام والسياسة، وهو السيد عبدالملك الحوثي.. فقد وحَّد موقفه الشعب اليمني في الداخل، وكشف لأولئك الذين كانوا مُغرَّراً بهم عن الحقائق، وأثبت أن المواقف الوطنية العليا يمكن أن تجمع الصفوف وتوحّد الرأي العام..
صحيح أن العدوان جلب لنا البوارج ودمَّر بعض البنى التحتية، لكن الشعب اليمني أدرك أن ما يُقدَّم في سبيل فلسطين هو ثمين ومُقدَّس، وأن الموقف الصحيح اليوم هو الوقوف مع غزة والشعب الفلسطيني.. الحمد لله أن صنعاء وقفت في الاتجاه الصحيح، وأثبتت موقفها المبدئي والثابت مع القضية الفلسطينية..
*كلمتكم الأخيرة في هذا اللقاء بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال 30 نوفمبر.. وما الذي توجّهونه لأبناء المناطق المحتلة؟
ـ في المحافظات المحتلة اليوم، يزداد تَـعـطُّش الناس للحرية..
هذه المحافظات التي عرف أهلها طعم الاستقلال في 30 نوفمبر، حين أسقط اليمنيون المشيخيات والسلطنات، وأقاموا دولة استفادت منها كل الأجيال.. الشعب الذي تَذوَّق معنى الحرية والسيادة، هو نفسه الذي يرفض اليوم أي احتلال أو وصاية، مهما كانت الأدوات أو الشعارات..
أما القيادات التي تظهر كواجهة لما تُسمى “الشرعية”، مثل الزبيدي والعلِيمي وغيرهما، فهي لا تمثّل الشعب ولا تعبّر عن قضاياه؛ بل تمثّل مصالحها ومصالح الجهات التي تموّلها.. والإمارات والسعودية، بما تمارسانه من نفوذ في المحافظات الجنوبية، ليستا قوة راسخة؛ هي مستندة إلى دعم دول كبرى، لكنها في النهاية سترحل، مهما حاولت فرض بقائها بالمال أو بالقوة..
والواقع أن الغليان الشعبي اليوم واضح في عدن وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة.. هناك أصوات ترفض الاحتلال، وهناك تيارات قبلية ومدنية تقف بوضوح ضد الوجود الإماراتي والسعودي.. الوعي يتسع، والغضب يتصاعد، وهذه موجة لن يستطيع أحد إيقافها..
ومَنْ يرفض الاحتلال في اليمن هو نفسه مَنْ رفض الاحتلال في فلسطين.. والسيد عبدالملك – في موقفه الثابت ضد الاحتلال أينما كان – لا يمكن أن يقبل بقاء أي قوة أجنبية في شِبر واحد من أرض اليمن.. هذا موقف مبدئي، لا يتغير..
نحن في صنعاء، خصوصاً أبناء المحافظات الجنوبية، ننتظر اللحظة التاريخية التي تعود فيها محافظاتنا إلى حضن الوطن، ونشارك في تحريرها بأنفسنا.. عشر سنوات ونحن نعيش أوضاعاً صعبة، ومُهجَّرين عن أرضنا، ونحمل الكثير من الألم.. نقولها بمرارة لأبو جبريل: أبناء المحافظات الجنوبية في صنعاء يعانون التهميش، ولا يجدون قناة تَواصُل حقيقية مع القيادة، ولا حتى تمثيلاً في المكاتب العليا.. نحن لا نطالب بامتيازات، بل بحق طبيعي هو التواصل، الاعتراف، واحترام تضحياتنا.. لدينا أكثر من ثلاثة آلاف شهيد من أبناء المحافظات الجنوبية تم عرض صورهم في خيمة واحدة فقط من خيام يوم الشهيد.. هؤلاء قدَّموا دماءهم دفاعاً عن الوطن، ومع ذلك يشعر الكثير من الجنوبيين بأنهم مُبعَدون ومُغيَّبون..
وبمناسبة 30 نوفمبر، نقول لقيادتنا: إذا كنتم تريدون مَدّ اليد لأبناء المحافظات الجنوبية الذين يرزحون تحت نَيْر الاحتلال الجديد، فابدأوا بِنا نحن الذين نقف معكم منذ عشر سنوات.. نحن لا نريد أن نُدفن في صنعاء؛ نريد أن نعود إلى أرضنا، نقاتل في الصفوف الأولى لتحرير محافظاتنا.. نريد أن نشعر بأننا جزء من هذا المشروع الوطني، لا غُرَباء فيه..
نرجو أن تكون ذكرى الاستقلال هذا العام بداية استقلال داخلي من الممارسات التي تعزل أبناء المحافظات الجنوبية عن القيادة، وبداية صفحة جديدة من التواصل والثقة، حتى نتمكن معاً من تحرير ما تَـبقَّى من أرضنا وإنهاء الاحتلال إلى غير رجعة.
|