الميثاق نت -

الإثنين, 05-أكتوبر-2026
محمد علي اللوزي -
الرياض تريد لهذه الحرب أن تتحول من صراع سياسي حول السيادة والقرار الوطني ومستقبل الدولة اليمنية إلى حرب دينية مذهبية ومناطقية، يكون وقودها اليمنيون، بينما يجلس من يدفع باتجاهها خارج ساحة النار.. وهذه هي أخطر نقطة في المشهد كله.. أن يجري نقل المعركة من حقيقتها السياسية إلى متاهة الانقسام المذهبي والمناطقي، حتى يقتتل اليمنيون فيما بينهم، وتصبح الرياض مجرد داعم أو وسيط أو حامٍ للسلام، بينما تظل جذور الحرب وقرارها ومصالحها بعيدة عن المساءلة.. ضمن هذا السياق، يبرز الدور الذي تقوم به بعض الأصوات الدعوية والإعلامية والسياسية التي تتعامل مع الصراع باعتباره معركة دينية ومذهبية، كدعاة وظفتهم المملكة وحثتهم على العزف النشاز واستدعاء المرويات والخطاب الطائفي وتوظيف النصوص الدينية في اتجاه تعبئة الناس ضد بعضهم البعض.. وبدلاً من أن يكون الخطاب الديني عاملاً في تهدئة النفوس وحماية المجتمع من الانقسام، يتحول عند بعض هؤلاء إلى أداة تعبئة وتحريض، والى غطاء ديني لصراع سياسي في جوهره وحقيقته .
والواضح أن الحرب اليمنية، في جانب أساسي منها، مرتبط بصراع على السيادة والقرار السياسي والجغرافيا والمصالح الإقليمية. ولذلك فإن اختزالها في عناوين مذهبية أو مناطقية ليس سوى نفخ كير ليشتد أوارها بما يخدم تحويلها إلى حرب داخلية مفتوحة يصعب أنهاؤها أو الحديث عن مجتمع تحت سقف وطن واحد.. أذ أن الخلاف لو كان يمنياً يمنياً قائماً على تباين سياسي واضح، وعلى مصالح وبرامج ورؤى مختلفة بشأن شكل الدولة ومستقبلها، لكان الوصول إلى تسوية سياسية أمراً ممكناً مهماً بلغت حدة الخلاف. أما حين يجري تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مذهبي ومناطقي ببرمجة سعودية وبذرائع رافضي ومجوسي فارسي، فإن كل تسوية تصبح اكثر تعقيداً، لان الخصم السياسي يتحول في الوعي العام إلى خصم ديني أو جهوي، وعندها يصبح التنازل السياسي وكأنه هزيمة للهوية وليس حلاً للخلاف.. وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يدفع اليمنيين إلى للنظر إلى بعضهم باعتبارهم طوائف ومناطق متصارعة لم تحدث في سياق التاريخ اليمني ، فاليمن بتنوع مناطقه ومذاهبه وقبائله وتياراته السياسية، لم يكن يوماً بحاجة إلى تحويل هذا التنوع إلى خطوط تماس ونقاط اشتعال.. وكلما جرى استدعاء المذهب والمنطقة والقبيلة إلى ميدان الحرب، ابتعد اليمنيون عن جوهر قضيتهم وصعب خل الاختلاف وبذرت السعودية بذور الشيطان، واقتربوا من حرب لا تنتهي لأنها لا تعالج سبباً سياسياً محدداً، بل تعيد إنتاج العداوة جيلاً بعد جيل.
والسعودية، لا تتعامل مع اليمن باعتباره مجرد ساحة صراع داخلي، بل باعتباره جزءاً من مجال إقليمي يرتبط مباشرة بمصالحها الأمنية والسياسية والجغرافية. ومن هنا يطرح السؤال نفسه.. لماذا يجري باستمرار دفع اليمن نحو الانقسام الداخلي بدلاً من تشجيع مسار سياسي يمني مستقل و يتم التعامل مع اليمن بما هو عليه من تكون طبغرافي.. والواقع أن المشكلة لا تكمن في اختلاف اليمنيين، فالاختلاف السياسي طبيعي في أي مجتمع، وإنما تكمن في تحويل الاختلاف إلى اقتتال بفتاوى، وتحويل السياسة إلى مذهب، وتحويل الجغرافيا إلى منطقية عصبوية، وتحويل الخصومة السياسية إلى عداوة اجتماعية ودينية.. وعندما يحدث ذلك، تصبح الحرب قادرة على الاستمرار حتى بعد زوال أسبابها الأولى، لأنها تكون قد صنعت لنفسها وقوداً نووياً داخلياً.. وفي هذه الحرب، يدفع اليمنيون الثمن قبل غيرهم، فابن صنعاء وابن تعز وابن مأرب وابن حضرموت وابن صعدة وابن المهرة وابن شبوة وسائر أبناء اليمن هم الذين يذهبون إلى الجبهات، وهم الذين يفقدون أبناءهم، وهم الذين تتضرر مدنهم واقتصاداتهم وحياتهم اليومية، بينما تستطيع الرياض أن تعيد حساباتها وان تغير تحالفاتها متى تغيرت مصالحها.
ومن اخطر ما يحدث هو توظيف الدين في خدمة هذا المسار.. فحين يتم انتقاء الآيات والمرويات والاحاديث والتاريخ لخدمة معركة سياسية محددة، يصبح الدين وقوداً للصراع بدلاً من أن يكون عاملاً في حماية المجتمع من الفتنة.. ويصبح الداعية الذي يفترض أن يدعو إلى الصلح وحقن الدماء طرفاً في التعبئة السياسية، فيزيد منسوب الكراهية، ويجعل الخلاف السياسي يبدو وكأنه معركة بين حق وباطل أو بين إيمان وكفر، بينما الواقع اكثر تعقيداً من هذه الثنائية واسهل مراجعة وحلاً لو تمعنا فيه، غير أن استخدام المؤسسات الدينية والعلماء في الصراع السياسي، يحتاج إلى مساءلة نقدية جادة.. فالدين لا ينبغي أن يتحول إلى أداة تمنح الصراعات السياسية قداسة، ولا ينبغي للنصوص الدينية أن تستخدم لتبرير قتل اليمني لليمني أو لاستدامة الانقسام بين أبناء البلد الواحد.
ومن هنا فإن اخطر ما يمكن أن يفعله اليمنيون هو قبول الرواية التي تريد اختزال كل شيء في المذهب والمنطقة، لأن قبول هذه الرواية يعني أن ينسى اليمنيون السؤال الأهم: من يملك القرار اليمني؟ ومن يقرر الحرب والسلام؟ ومن يحدد مستقبل الدولة؟ ومن يستفيد من استمرار الانقسام؟ وما هي المصالح التي تقف خلف إطالة الصراع؟
هذه الأسئلة اكثر أهمية من كل حملات التعبئة المذهبية والمناطقية التي تشتغل عليها المملكة ، لأنها تعيد النقاش الذي أصله السياسي، فاليمن لا يحتاج إلى حرب بين مذاهبه ومناطقه، بل يحتاج إلى حوار سياسي يمني يعترف بتنوع المجتمع، ويحمي حق الجميع في المشاركة، ويضع مسألة السيادة والاستقلال والقرار الوطني في مقدمة أي تسوية..
أما تحويل الحرب إلى حرب مذهبية ومناطقية، فانه يعني ببساطة نقل المعركة من صراع يمكن التفاوض حوله إلى جرح اجتماعي مفتوح يصعب علاجه.. ولهذا فإن الطريق إلى السلام لا يمر عبر شحن المذاهب والمناطق ضد بعضها، ولا عبر استدعاء النصوص الدينية لتبرير الخصومة السياسية، وإنما عبر إعادة تعريف المشكلة باعتبارها قضية سياسية ووطنية، والبحث عن تسوية تحفظ لليمن سيادته واستقلال قراره وتمنع تحويل أبنائه إلى وقود لصراعات لا يملكون قرار بدايتها ولا نهايتها.. فاليمنيون يستطيعون أن يختلفوا سياسياً، وان يتنافسوا على شكل الدولة ونظام الحكم والسياسات العامة، لكنهم حين يقبلون أن يتحول هذا الاختلاف إلى حرب مذهبية ومناطقية، فانهم يخسرون جميعاً، بينما تبقى القوى الخارجية قادرة على إدارة الصراع من بعيد.. ولذلك فإن أول خطوة لكسر دائرة الحرب هي رفض تحويل السياسة إلى فتنة، ورفض تحويل الدين إلى أداة تعبئة، ورفض تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، والتمسك بحق اليمنيين وحدهم في تقرير مستقبل بلدهم دونما تدخل سعودي ينفذ أجندة دولية.. لقد أقحموا اليمن في تفاهات الخصومة والتكفير وخلقوا فتناً واقتتالاً مجانياً لينسى اليمني وطنه ومستقبله وحياته ويبقى محتشداً للمواجهة الدموية بدعم الرياض مملكة النفاق وسفك الدماء.. والمؤلم أن نجد دعاة يقبلون بالتوجيهات الخارجية ويوظفون النص الديني في اتجاه الدم والفرقة..
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 05-أكتوبر-2026 الساعة: 01:51 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69517.htm