الميثاق نت -

الإثنين, 12-أكتوبر-2026
توفيق عثمان الشرعبي -
ليست ثورة الرابع عشر من أكتوبر حدثاً ينتمي إلى الماضي إلا في التقويم فقط ،أما في الوعي الوطني، فهي سؤال مفتوح عن معنى الاستقلال، وعن حق اليمن في أن يكون صاحب قراره، وعن قدرة أبنائه على حماية وطنهم من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
حين أطلق المناضلون في ردفان شرارة الثورة عام 1963، لم يكونوا يواجهون مجرد وجود عسكري بريطاني في عدن والمناطق المجاورة، بل كانوا يواجهون منظومة استعمارية أرادت أن تجعل من الجنوب اليمني مجالاً لنفوذها ومصالحها.
ولذلك لم تكن المعركة معركة جغرافيا فقط، وإنما كانت معركة إرادة: من يملك الأرض؟ ومن يملك القرار؟ ومن يحدد مستقبل اليمنيين؟!!
بعد أربعة أعوام، خرج آخر جندي بريطاني من عدن، وأُسدل الستار على مرحلة استعمارية امتدت لعقود.
لكن التاريخ لا ينتهي بخروج الجندي من الباب.. فالأمم التي خاضت معارك التحرر تدرك أن الاستقلال السياسي لا يكتمل ما لم يتحول إلى استقلال في القرار والإرادة والمصالح.
فاليمن اليوم لا يعيش ظروف عام 1963، ولا يجوز أن نضع الماضي والحاضر في قالب واحد.. لكن ما تغيرت صوره لا يعني أن سؤال السيادة فقد معناه.. فالتدخل الخارجي، مهما اختلفت أدواته ومسمياته، يظل تحدياً حين يصبح القرار الوطني مرتهناً لموازين القوى خارج الحدود، وحين تتحول الأرض اليمنية إلى مجال للصراع على النفوذ والمصالح.
لقد كان الاستعمار القديم واضح الملامح؛ جندي أجنبي، قاعدة عسكرية، إدارة استعمارية ومصالح معلنة.. أما أشكال الهيمنة الجديدة فأكثر تعقيداً.. قد تأتي في صورة نفوذ سياسي، أو حضور عسكري، أو ترتيبات أمنية، أو مصالح اقتصادية، أو أدوات إعلامية، أو وكلاء محليين تتقاطع عندهم أجندات الداخل والخارج.
ولهذا فإن معركة السيادة اليوم لا يمكن اختزالها في شعار ( برع يا استعمار) .. إنها معركة أعمق: أن يصبح القرار اليمني يمنياً، وأن تكون مصالح اليمنيين هي المعيار الذي تُقاس به التحالفات والعلاقات والمواقف.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأمم بتاريخها أن تحول ثوراتها إلى مناسبات احتفالية.. بحيث نرفع صور الشهداء، ونردد الأناشيد، ونستعيد الخطب، ثم نعود إلى واقع يسمح للآخرين بتحديد ما نريد وما لا نريد.!!
الثورة، في جوهرها، ليست صورة معلقة على جدار؛ بل هي موقف من التبعية.
وإذا كانت أجيال أكتوبر قد أدركت أن الاستعمار لا يمكن أن يكون شريكاً في تقرير مصير اليمن، فإن درسها الأهم للأجيال الحالية هو أن السيادة لا تتجزأ، وأن الاستقلال لا يكون كاملاً إذا خرج احتلال من الباب ودخلت التبعية والارتزاق من نافذة أخرى.!!
لكن استعادة السيادة ليست مهمة عسكرية وحدها، ولا تتحقق بالخطاب السياسي وحده.. إنها تحتاج إلى دولة قادرة، ومؤسسات وطنية، واقتصاد يحمي القرار، ومجتمع يدرك أن الانقسام الداخلي هو الثغرة التي تتسلل منها التدخلات الخارجية.
فالخارج لا يصنع كل أزمات الداخل، لكنه يجد في الانقسام فرصة.. وكلما ضعفت الدولة، اتسعت مساحة الآخرين.. وكلما عجز اليمنيون عن إنتاج توافق وطني، أصبح قرارهم أكثر قابلية للتدويل.!!
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن نتوقف أمامها في هذه الذكرى الأكتوبرية.. فجيل الثورة قاتل من أجل إخراج القرار من يد الخارج، بينما يواجه جيل اليوم خطر أن يصبح الخارج حاضراً في تفاصيل القرار بسبب عجز الداخل عن الاتفاق على قواعد مشتركة لحماية الدولة.!!
ليست القضية إذن أن نعيد إنتاج الماضي، وإنما أن نفهم منطقه.. فالاستعمار البريطاني انتهى من عدن، لكن فكرة الاستقلال لا تنتهي.. والسيادة ليست ذكرى تُحتفل بها مرة في العام، وإنما مسؤولية يومية تبدأ من احترام الأرض وتنتهي عند احترام القرار الوطني.
ومن الخطأ أن ننظر إلى 14 أكتوبر باعتبارها معركة انتصر فيها جيل وانتهت مهمته.. فكل جيل يواجه استعمار عصره، وقد لا يكون استعمار اليوم بالضرورة نسخة من استعمار الأمس.. قد يتغير الاسم، وتتغير الأدوات، وتتغير الواجهات، لكن المعيار يبقى واحداً وهو: هل يستطيع اليمنيون أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ثورة 14 أكتوبر علينا اليوم.
ليس المطلوب أن نعيش في الماضي، ولا أن نبحث عن عدو في كل اختلاف، وإنما أن نمتلك من الوعي ما يجعلنا قادرين على التمييز بين العلاقات الدولية الطبيعية وبين الارتهان والعمالة والارتزاق، وبين التعاون وبين الوصاية، وبين التحالف وبين فقدان القرار.!!
فاليمن الذي خرج منه الاستعمار بالأمس يستحق أن يكون اليوم دولة كاملة السيادة، لا ساحة مفتوحة للصراع والاقتتال، ولا ورقة في حسابات الآخرين.!!
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لثورة 14 أكتوبر لا يكون بكثرة الاحتفالات أو التغني بالثورة فقط، وإنما بتحويل معناها إلى مشروع وطني يتجسد في دولة تحمي سيادتها، ومجتمع يحمي وحدته، وقرار لا يُصنع إلا حيث يجب أن يُصنع؛ في اليمن.!!
بعد ثلاثة وستين عاماً، ما زال التساؤل نفسه يطرق أبوابنا، وإن تغيرت الأشكال:
خرج المستعمر من عدن.. فهل نستطيع اليوم أن نُخرج من بلادنا كل أشكال الوصاية والتبعية؟!!
ذلك هو الاختبار الحقيقي لمعنى 14 أكتوبر في حاضرنا.. وكذلك هو الفرق بين أن نتذكر الثورة، وأن نفهمها.!!

تمت طباعة الخبر في: الأحد, 11-أكتوبر-2026 الساعة: 11:47 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69539.htm