أماني محمد - إذا كانت ثورة 14 أكتوبر قد أنهت الوجود البريطاني في عدن، فمن سيُنهي عقلية الوصاية على القرار اليمني؟
14 أكتوبر ليست بتلك البساطة التي عرفناها في الكتب المدرسية ونمط الاحتفال بمناسبة قيامها فقط؛ فخلف رواية الثورة والتحرير والاستقلال، كانت هناك دفاتر استخبارات ترصد عدن، وتتنافس فيها جبهات، وتتحرك فيها قوى إقليمية، وتراقبها عواصم دولية، وتُرسم فيها حسابات ما بعد الرحيل البريطاني، لذلك لا ننتقص من وطنية الثورة حين نفتش في أرشيفها، بل ننقذ تاريخها من الاختزال؛ فالثورة كانت معركة تحرير، لكنها كانت أيضاً بداية معركة أخرى: من يملك قرار اليمن بعد رحيل المستعمر؟
اتفق الثوار على رحيل بريطانيا، واختلفوا على من يرث الدولة، ومن هنا بدأ الاقتتال بين الجبهة القومية وجبهة التحرير قبل اكتمال الاستقلال.
لذلك لم تكن المأساة أن الثوار اختلفوا؛ فالاختلاف طبيعي، المأساة أن الثورة التي جمعتهم ضد الاستعمار تحولت قبل الاستقلال إلى ساحة صراع على الشرعية والتمثيل والسلطة.. الجبهة القومية وجبهة التحرير لم تعودا تتنافسان فقط على طريقة التحرير، بل على سؤال: من سيكون صاحب اليمن الجنوبي بعد بريطانيا؟ وعندما يصبح «من يحكم؟» أقوى من «كيف نحكم؟» يبدأ مشروع التحرر في أكل أبنائه.
أيضاً لم تكن مصر في 14 أكتوبر مجرد متفرج؛ فقد دعمت قوى جنوبية، ودربت مقاتلين، وغيّرت رهانها بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، وسعت إلى التأثير في شكل النظام الذي سيولد بعد الرحيل البريطاني، لكن اختزال الثورة في الدعم المصري ظلمٌ للتاريخ، كما أن تجاهل ذلك الدعم تزويرٌ له؛ فقد كانت الثورة يمنية في جذورها، لكنها تحركت داخل إقليمٍ كانت القاهرة فيه لاعباً يبحث، كغيره، عن موقعه في يمن ما بعد الاستعمار.
فقد خرج المستعمر من الباب، ودخلت الحرب الباردة من النافذة.. لم تكن موسكو تمنح الجنوب السلاح والخبراء بلا حساب، ولم يكن الجنوب يتلقى المساعدة بلا حاجة؛ كان لكل طرف مصلحته، ومع اتساع الاعتماد العسكري والسياسي، أصبحت عدن ذات قيمة استراتيجية لموسكو، وأصبح السوفييت لاعباً حاضراً في تفاصيل الدولة وأمنها، وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس «هل كان السوفييت أصدقاء أم أوصياء؟» بل: كم بقي من القرار حين أصبح البقاء نفسه مرتبطاً بالحليف؟ وكيف لا نعيد إنتاج الوصاية بأدوات جديدة بعد أن نطرد أدواتها القديمة؟
الثورة استطاعت أن تهدم النظام الاستعماري، لكنها لم تستطع أن تمنع بعض أدوات الصراع الثوري من الانتقال إلى داخل الدولة.
بعد الاستقلال تغيّر السؤال من «من يقاوم المستعمر؟» إلى «من يملك حق تمثيل الثورة؟»، ومن هنا بدأت المعضلة فحين تصبح الثورة مصدر الشرعية الوحيد، يصبح الخلاف داخلها خلافاً على الدولة نفسها، وهذا ما يفسر جانباً من الانقلابات الداخلية والتصفيات والصراعات التي عرفها الجنوب حتى انفجار 1986م.
14 أكتوبر حررت الجنوب من الاستعمار، لكن الاستقلال فتح سؤالاً أكبر: كيف يتحول الجنوب إلى دولة، وكيف تتعامل هذه الدولة مع يمنٍ أوسع منها؟.
منذ 1972م كانت الوحدة حاضرة في الخطاب، والحرب حاضرة في الواقع، والمفاوضات تعود كلما عجز السلاح عن الحسم، لذلك لا ينبغي أن نقرأ 1990م كبداية قصة الوحدة، بل كمرحلة متأخرة من قصة بدأت بعد الاستقلال مباشرة: اليمن كان واحداً في التاريخ، لكنه ظل يبحث عن الصيغة السياسية التي تجعله واحداً في الدولة.
ولهذا لم يكن التحدي الحقيقي يوم 22 مايو هو إعلان الوحدة، بل تحويل الوحدة من اتفاق بين سلطتين إلى دولة يتساوى فيها اليمنيون تحت مؤسسة واحدة وقانون واحد، وهنا تحديداً بدأ الامتحان الذي لم تنجح السياسة اليمنية في اجتيازه.
يبدو أن مشكلتنا مع التاريخ أننا نقرأه كمن يفتش عن «الطرف الذي يشبهه»، لا كمن يبحث عن الدرس الذي ينقذه.
لا معنى لاستقلالٍ نطرد فيه وصاية الأمس، ثم نستورد وصاية اليوم بشعارٍ جديد.
الدولة ليست أنت… ولا أنا… ولا حزباً… ولا جماعة. الدولة هي القانون حين يصبح فوق الجميع ويكون القرار يمنياً.
|