محمد علي اللوزي - يقول الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن (غريغوري جونسن) إن القوات الموالية للسعودية في اليمن تكاد تكون مجرد وهم.
حين تحشد السعودية مائة طائرة حربية ومائة ألف جندي لمعركة في باب المندب، وترافق ذلك حملة إعلامية ضخمة تتحدث عن انتصارات ساحقة وحسم وشيك، ثم تتعثر هذه القوة وتتبخر في ظرف ساعات أمام مقاومة اليمن، فإن السؤال لا يبقى عن حجم الحشد، بل عن طبيعة القوة التي تقف خلفه، وعن القرار السعودي الذي دفع بكل هذه الإمكانات إلى معركة لم تحقق النتائج التي روج لها إعلامها بل ومخيبة لآمال التحالف الذي تشكل بغرفة عمليات كبرى لتجد الرياض نفسها في هزيمة مذلة .. لاشك ان السعودية هي صاحبة الثقل العسكري والسياسي الأكبر في هذا التحالف، ولذلك فإن مسؤوليتها لا يمكن نقلها إلى الأطراف المحلية وحدها.. من يقرر التصعيد، ويحشد الطائرات، ويدير غرف العمليات، ويستعين بالخبرات الخارجية، ويتحمل كلفة الحرب المالية والسياسية، يتحمل أيضاً مسؤولية نتائجها.. ومن هنا فإن تعثر العدوان الذي عنونته الرياض (بفجر اليمن) لا يكشف فقط حدود القوات الموجودة في الميدان، بل يكشف حدود الرؤية البليدة التي قادت إلى معركة خاسرة بضحايا كثر.. واللافت أن السعودية، رغم الإنفاق العسكري الهائل على مدى سنوات، تظهر في هذه المواجهة محتاجة إلى شبكة واسعة من الدعم والخبرات والتحالفات الخارجية.. فالاستعانة بالولايات المتحدة ودول أخرى، وبخبرات متعددة الجنسيات، وتوسيع دائرة التحالفات، تكشف أن امتلاك ترسانة ضخمة لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة مستقلة على إدارة حرب معقدة وتحقيق أهدافها.. وهذا اهو السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت دولة تنفق مئات المليارات على منظومتها العسكرية تحتاج في لحظة الاختبار إلى هذا الحجم من الإسناد الخارجي، فما الذي تكشفه الحرب عن كفاءة هذه المنظومة وقدرتها على حماية أهدافها بنفسها وقد اهانتها اليمن وأصابتها في مقتل.. الأمر لا يتعلق بإنكار القوة العسكرية السعودية أو التقليل من حجم إمكاناتها.. وإنما بالفارق بين امتلاك السلاح وامتلاك القدرة على استخدامه لتحقيق نتيجة استراتيجية هنا يصدق المثل (سلاح في يد عجوز) ، فقد تمتلك الدولة طائرات متقدمة وأنظمة دفاع وأسلحة باهظة الثمن، لكن قيمة هذه المنظومة تقاس في النهاية بقدرتها على الردع والحماية وتحقيق الأهداف التي وضعتها القيادة السياسية، ولاشيء يأتى من ذلك غير الاذلال وكسر ناموس العسكرية السعودية ومعها تحالف العدوان.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحا.. حشد هائل، دعم استخباراتي وخبرات أجنبية، غرف عمليات متعددة الجنسيات، وآلة إعلامية ضخمة، وأمام هذا قدرة الخصم على القتال والانتصار خلال سويعات. ، لتكون المحصلة ضربة قوية للصورة التي أرادت تقديمها عن قدرتها المزعومة .
لاشك أن الاعتماد على القوى الدولية طلباً للحماية أو الدعم يفتح سؤالاً أكبر عن مفهوم القوة السعودية نفسها.. فالدولة التي تمتلك موارد مالية ضخمة وتنفق مليارات على الدفاع يفترض أن يكون جيشها قادراً على حماية أمنها وردع خصومها، مع بقاء التعاون العسكري الدولي أمراً طبيعياً في حسابات الدول.. لكن دلالة هذا التعاون تصبح محتلفة عندما يبدو أن الدعم الخارجي لا يعزز القوة الذاتية فحسب، بل يسد فجوة في قدرتها على إدارة الحرب وتحقيق أهدافها.. لهذا فإن حربها العدوانية في اليمن كشفت فجوة بين حجم الإنفاق العسكري وحجم الإنجاز الاستراتيجي من الغباء والتخبط والإذلال. وهذه الفجوة هي جوهر المشكلة، لا عدد الطائرات ولا قيمة الأسلحة. فالقوة العسكرية تقاس في النهاية بما تستطيع الدولة تحقيقه بها، لا بما تستطيع شراءه .
والآن، بعد سنوات من اختبار القوة السعودية في الميدان، ومع ما رافق الحرب من ضربات وصلت إلى العمق السعودي وتهديدات للأمن والمنشآت والممرات البحرية، يصبح استمرار الرهان على التصعيد العسكري أكثر كلفة وتعقيداُ.. وإذا كانت الغاية هي استعادة الأمن والاستقرار وتقليص الخسائر، فإن الانتقال من منطق القوة إلى منطق التفاوض قد يكون، من منظور حسابات الدولة ومصالحها، مخرجاُ أقل كلفة من استمرار حرب أثبتت أن الحسم العسكري ليس أمراً سهلاً بل وفاشلاً .. فالسلام، في مثل هذه الحالة، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تراجعا، بل باعتباره اعترافاُ بحدود القوة وإعادة ترتيب للأولويات. وكلما تأخر التفاوض، ارتفعت كلفة الحرب وتعقدت شروط التسوية. ولذلك فإن مصلحة السعودية، إذا كانت تريد الحفاظ على ما تبقى من ماء وجههاو من قدرتها على المناورة السياسية وصورتها الإقليمية، قد تكون في البحث عن تسوية تفاوضية واقعية بدلاُ من مواصلة معركة تستنزف الموارد وتكشف حدود القوة العسكرية الرخوة..
ان الدرس الأعمق الذي أظهرته الحرب اليمنية هو أن المليارات لا تصنع وحدها جيشاً حاسماً، والطائرات الحديثة لا تضمن وحدها الأمن، والتحالفات الخارجية لا تستطيع أن تمنح الدولة دائماً القدرة على فرض إرادتها.. القوة الحقيقية ليست في عدد الطائرات التي تستطيع الدولة حشدها، بل في قدرتها على حماية مصالحها وفي تمسكها بالقيم الروحية وفهمها لحدود إمكانياتها والحفاظ على منجزات تنموية عملاقة و وتحقيق أهدافها دون أن تتحول الحرب إلى اختبار طويل لحدودها التي باتت مهددة ولربما تم اجتياحها مالم تبادر إلى السلام حنى بعين المنكسر الصاغر فلا مشاحة في ذلك وهو أربح لها من عنتريات مهزوم.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله الرياض عندما تصل الحرب إلى طريق مسدود هو أن تجعل السلام جزءاً من استراتيجيتها، لا نتيجة اضطرارية تأتي بعد استنزاف أكبر. فكل تسوية تحفظ الأمن وتوقف النزيف وتفتح باب التفاهم أقل كلفة من استمرار حرب لا يستطيع (بن سلمان) أن يضمن نهايتها وهو يرى الفشل رأي العين.. والاعتراف بحدود القوة ليس هزيمة بحد ذاته.. أما تجاهلها والاستمرار في اختبارها، فقد يجعل فاتورة الحرب أكبر ويترك آثاراً أعمق على المكانة والنفوذ.. و المثل اليمني يقول (يد لاتقدركسرها بوسها).. الأولى إذن للرياض ان تطفيء غرورها وتتوسل السلام كمخرج يحفظ لها مابقي من كرامة . فهل نراجع الرياض حساباتها وتتخلى عن وهم القوة وتنزل من على الشجرة وتعترف باليمن نداً قوياً يستحق إقامة علاقة حسن جوار وثيقة معه، وترك المأجورين والعملاء الذين قادوها إلى جغرافيا وعرة والى مواجهة شعب قوي بإيمانه وبإرادته في انتزاع النصر حنى من مخالب الأسد.. يقينا ان الرياض أحوج ما تكون اليوم لان تتبرأ من الخونة وتقذف بهم إلى مستنقع الهزيمة التي ساقوها إليها، وأن تبدأ في رسم معالم سياسية تحترم الآخر وترى فيه سنداً وعوناً وقت الشدائد.. هذا هو الحل وماعداه باطل وقبض ريح..
|