الميثاق نت -

الإثنين, 12-أكتوبر-2026
د. عبدالوهاب الروحاني -
ذكريات الطفولة في القرية والبيت، والحي، والمدرسة، والجامعة، محطات تعلق دوما بالذاكرة ولا تغادرها، ذلك لأنها جزء مهم من البيئة التي شكلتنا وتأثرنا بها، ومنها أطللنا على العالم الجديد، وتعلمنا، وبنينا الأصدقاء والحياة.
في صنعاء مدينة الحياة والذوق والجمال، رأيت في صغري بقع ضوء مشرقة، نماذج تعليمية وتربوية مثالية، في الشارع والمدرسة .. عرفت أساتذة ومدرسين وشخصيات اجتماعية وسياسية لن تتكرر..
عرفت في عبدالله الذماري وحميد العلفي الأخلاق الحميدة والقيم التربوية العالية، وفي زيد الأسدي، ومحمد الرازقي الأناقة والذوق والنظام، وفي علي سعد الحدا، وعبدالوهاب جولة، وعلي الهجان، وعلي كابع المثابرة والدقة والانضباط.. تعلمنا على خصالهم ومناقبهم في التربية والإدارة، ومن منهجهم في التعليم والنظام.
عرفت بطل حصار السبعين الفريق حسن العمري مطلع السبعينيات -وهو رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة- يزورنا ونحن تلامذة صغار في الابتدائية يبتسم في وجوهنا، يربت على أكتافتا، يسأل عماذا نريد أن نكون ؟! يرينا طريقا شائكا، دروبها طويلة .. وطويلة.
حضرت للرئيس الحمدي -وهو نائب رئيس وزراء، وقائد عسكري كبير- محاضرة مهمة في قاعة مدرسة الشعب الصناعية عن هيئات التعاون والتطوير، وتكامل دور المجتمع مع الدولة، وهو محمل بجبال من آمال وتطلعات اليمنيين وأحلام الوطن..
عرفت الرجل القوي الشجاع علي سيف الخولاني -وهو قائد عسكري كبير ووزير داخلية- يسير راجلا بين العامة وبدون مرافقين، ويتحدث بلطف إلى طلاب ريفيين لا يعرفهم، لكنه كان يراهن عليهم.. يسأل عن أسمائهم، قراهم وأسرهم .. كان من أقوى رجالات صنعاء واشجعهم.
في صنعاء، رأيت الشخصية الوطنية التي أثارت جدلا واسعا بين القوى والأحزاب السياسية اليمنية، المقدم محمد خميس (رحمه الله) .. رأيته عصر ذات يوم يترجل من سيارته في ميدان التحرير بصنعاء وهو -وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن الوطني- ينظم حركة المرور، يمنع وقوف السيارات على جانبي الطريق، ويكسر بـ"صميل" خشبي يحمله بيده زجاجات السيارات الواقفة بالمخالفة..
كان شخصية مثيرة للجدل، عُرف بين منتسبي اليسار اليمني بالذات بقسوته وعدم تسامحه، لم أعرفه شخصيا لكني سمعت وقرأت عنه قصصا وحكايات طغت على معظمها المبالغة، وسيطر فيها الشخصي على الموضوعي فأفقدها المصداقية، لعله كان مبالغا في شدته وقسوة تعامله، وربما تجاوز نصوص اللين في القانون، لكنه - لا شك - كان يُعمل النظام، وكان رجل دولة من الطراز النادر.. فهل من حروف تكتب بموضوعية عن محمد خميس؟!
في صنعاء عرفت في النصف الثاني من الثمانينيات ابن صنعاء، الثائر الجمهوري الأول، ورئيس جمهوريتها الأولى المشير عبدالله السلال بعد أن عاد إلى صنعاء (سبتمبر 1981م) مع الفريق العمري والقاضي عبدالرحمن الإرياني في ظل الدولة والتسامح ودعوتهم من قبل الرئيس علي عبدالله صالح للعودة في سبتمبر 1981م.
التقيته أكثر من مرة، سمعته يقول كلاما ممتلئا سعادة وأملا ورضا .. كانت مقارناته مدهشة بين ما كان (وثار عليه) و بين ما ثار لأجله وأصبح بين يديه، استذكر أحداثا ومواقف صنعت مجدا، وحققت أهدافاً كانت حلماً مستحيلاً .. ذلك كان حين أصبح المشير السلال مواطنا عاديا بعد أن كان رئيسا وعنوان عهدنا الذي يتلاشى بريقه اليوم..
تُرى هل تستعيد صنعاء ألقها وتحقق حلمها الجميل، وتضيئ منها بقع ضوء تصنع الأمل؟!
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 11-أكتوبر-2026 الساعة: 11:48 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69553.htm