الميثاق نت -

الإثنين, 02-نوفمبر-2026
د. يحيى أبو زكريا -
ليست الحروب مقياساً لقوة الدول، كما أن امتلاك السلاح والثروة لا يعني امتلاك القدرة على إخضاع الشعوب أو فرض الإرادة السياسية عليها إلى ما لا نهاية. والتاريخ مليء بدول دخلت الحروب وهي تعتقد أن المال والنفوذ والتحالفات كفيلة بتحقيق أهدافها، ثم اكتشفت أن حسابات الميدان تختلف كثيراً عن حسابات القصور وغرف القرار.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الحرب السعودية على اليمن، أو العودة إلى منطق التصعيد العسكري، يطرح سؤالاً استراتيجياً بالغ الخطورة: هل تخدم الحرب المصالح السعودية واليمنية، أم أنها تستنزف الطرفين وتفتح أبواباً جديدة للأزمات الإقليمية؟

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى صانعي القرار في الرياض واضحة: الحل السياسي ليس تنازلاً عن الكرامة، بل استثمار في مستقبل الدولة، أما استمرار الحرب فقد يحوّل الأهداف المعلنة إلى أعباء استراتيجية واقتصادية وأمنية يصعب احتواؤها.

*اليمن.. معضلة لا تُحل بالقوة وحدها*

لقد أثبتت تجارب الحروب الطويلة أن التفوق العسكري لا يكفي، بمفرده، لصناعة تسوية سياسية مستقرة. فاليمن ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن إخضاعها، ولا شعباً يمكن اختزال إرادته في حسابات عسكرية. إنه بلد له تركيبته الاجتماعية والسياسية والتاريخية، وله قواه المحلية وحساباته الخاصة، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر له عبر استمرار المواجهة.

وكلما طال أمد الحرب، تعاظمت الكلفة الإنسانية، وتراجعت فرص إعادة الإعمار، واتسعت الهوة بين الأطراف المتنازعة. كما أن استمرار النزاع يضع أمن المنطقة وممراتها البحرية ومصالحها الاقتصادية أمام مخاطر إضافية، في منطقة تمثل فيها التجارة والطاقة والملاحة الدولية عناصر حيوية للاقتصاد العالمي.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يستطيع مواصلة الحرب مدة أطول؟ بل: من يستطيع تحويل نهاية الحرب إلى بداية لاستقرار مستدام؟

إن الانتصار السياسي الذي يضمن الأمن المتبادل، ويحفظ كرامة اليمنيين، ويبدد المخاوف الأمنية السعودية، أكثر جدوى من انتصار عسكري مؤقت يترك أسباب الصراع قائمة وقابلة للاشتعال من جديد.
السعودية ومخاطر الاستنزاف الاستراتيجي
إن الدولة لا تُقاس قوتها بحجم إنفاقها العسكري وحده، بل بقدرتها على حماية أمنها، وتنويع اقتصادها، وتحقيق التنمية، وتحصين جبهتها الداخلية، وبناء علاقات إقليمية تقلل احتمالات الصدام.

ومن هنا، فإن استمرار النزاع اليمني يفرض على السعودية ضرورة مراجعة حساباتها، ومقارنة المكاسب الممكنة من التسوية بالتكاليف المترتبة على استمرار المواجهة، بما فيها الأعباء الأمنية والاقتصادية، ومخاطر التصعيد، وتأثير ذلك في الاستقرار الإقليمي.

ولا يعني ذلك أن انهيار الدولة السعودية نتيجة حتمية لاستمرار الحرب، فمثل هذا الاستنتاج لا يمكن الجزم به..
لكن المؤكد أن الحروب المفتوحة قد تتحول إلى مصادر استنزاف طويلة الأمد، وأن تجاهل كلفتها السياسية والاقتصادية قد يضيّق خيارات صانعي القرار ويجعل التسوية اللاحقة أكثر تعقيداً.
إن الحكمة السياسية تقتضي التحرك قبل أن تتراكم الأثمان، لا انتظار لحظة يصبح فيها التراجع أكثر كلفة من اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 02-نوفمبر-2026 الساعة: 04:59 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69642.htm